مجلة رؤية الإلكترونية – المغرب، الخميس 4 ربيع الآخر 1437هـ/ 14 يناير 2016م

النسوية الإسلامية بين مطالب التجديد ومواجهة العوائق حوار مع المفكر زكي الميلاد

 تنسيق وحوار: نادية الشرقاوي
في البداية يتشرف مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلام، باستضافة الأستاذ والمفكر زكي الميلاد في الموقع الرسمي للمركز، ويرحب به في نافذة حوار، وله جزيل الشكر والتقدير على قبول الإسهام في هذه النافذة بأفكاره الغنية.
من هو زكي الميلاد؟ المفكر زكي الميلاد كاتب وباحث في الفكر الإسلامي والإسلاميات المعاصرة، متخصص في الدراسات الإسلامية، رئيس تحرير مجلة “الكلمة” وهي مجلة فصلية فكرية تصدر من بيروت، عضو الهيئة الاستشارية لعدد من المجلات الفكرية العربية، عضو مجموعة من الجمعيات والمؤسسات الفكرية، له ما يزيد عن ثلاثين مؤلف، وله مئات المقالات، وعشرات الدراسات في أكثر من 70 منبر ما بين صحيفة ومجلة ودورية، يومية وأسبوعية وشهرية وفصلية ونصف سنوية.

 ما هي رؤيتك للنسويّة الإسلامية؟ هل ما تطرحه النسويّة الإسلامية متفق مع مبادئ الدين الإسلامي؟
تسمية النسويّة الإسلامية من ناحية المبنى والتركيب اللغوي والبياني واللساني ليس عليها تحفظ بالتأكيد، فبالإمكان التعامل مع هذه التسمية من دون خشية، ويمكن إدماجها في المجال التداولي الإسلامي، فهي تسمية تطابق تسمية النساء المسلمات.
ومن ناحية المعنى والمضمون، فإذا كان يراد من هذه التسمية لفت الانتباه إلى إسهام النساء المسلمات في ميادين المعرفة الإسلامية والإنسانية، الإسهام الذي يكاد يكون مغيباً أو منتقصاً، وبالشكل الذي يكسب النساء المسلمات اعترافاً بدورهن في ميادين المعرفة، واعترافاً بوجودهن، وإزالة كافة أشكال التمييز والاستنقاص والتفاضل الممارس عليهن أو الموجه لهن، فهذا المعنى للنسويّة الإسلامية ليس عليه تحفظ من هذه الجهة.
وإذا كان يراد من هذه التسمية، خلق حالة من الوعي عند النساء المسلمات للدفاع عن حقوقهن، والمطالبة بهذه الحقوق التي تعرضت في مجتمعات المسلمين إلى الانتهاك والتعسف والاستنقاص، فمن حق النساء المسلمات النهوض بهذا الدور لضمان حقوقهن، وحفظ كرامتهن، وتحسين نوعية حياتهن، وهذا المعنى للنسويّة الإسلامية كذلك ليس عملية تحفظ.
وإذا كان يراد من هذه التسمية، ومن مفهوم الإسلامية تحديداً، اعتبار أن الإسلام يمثل إطاراً مرجعياً لخطاب نسويّ يدعو لإصلاح أحوال النساء المسلمات في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، على أساس مفاهيم العدل والمساواة والكرامة والحقوق، واعتبار أن ما وقع على المرأة من ظلم وتعسف وانتهاك لحقوقها وكرامتها وشخصيتها، هو بخلاف ما جاء وأمر به الإسلام، ويعارض كلياً مبادئه وقيمه وخطابه وشريعته، وهذا المعنى للنسوية الإسلامية أيضاً ليس عليه تحفظ.
أمّا إذا كان يراد من هذه التسمية، إيجاد تكتل من النساء المسلمات على أساس النوع والفصل، وبدافع الأنوثة، في مقابل الرجال، وكرد فعل على جانب الذكورة وطغيانها عند الرجال، فهنا منشأ التحفظ على هذه التسمية.

 ما هي رؤيتك للتجديد الفكري في موضوع النسويّة الإسلامية؟
كنت قد بحثت في موضوع الإسلام والمرأة، وأصدرت كتاباً في هذا الشأن، حمل عنوان “الإسلام والمرأة.. تجديد التفكير الديني في مسألة المرأة”، صدرت الطبعة الأولى منه سنة 2001م، والطبعة الثانية صدرت سنة 2008م، وتكوّنت عندي نظرية في هذا الصدد أرى أنها جديرة بالتأمل والانتباه.
ترتكز هذه النظرية على أساس أن هناك مشكلة مزدوجة وقع فيها الخطاب الإسلامي من جهة، ووقعت فيها الخطابات غير الإسلامية من جهة أخرى، وذلك في طريقة النظر وطريقة التعامل مع المرأة.
في ناحية الخطاب الإسلامي، تحدّدت هذه المشكلة بربط كرامة المرأة بفكرة العفّة بعيداً عن فكرة الحقوق، وفي ناحية الخطابات غير الإسلامية تحدّدت هذه المشكلة في ربط كرامة المرأة بفكرة الحقوق بعيداً عن فكرة العفّة.
والنظرية التي كونتها تتحدّد على أساس ربط كرامة المرأة بفكرة العفّة إلى جانب فكرة الحقوق، من دون الفصل والقطع بين هاتين الفكرتين.
وفي إطار هذه النظرية، لا ينبغي أن يُفهم بأن المطالبة بالحقوق يتعارض مع عفّة المرأة، بقدر ما ينبغي أن يُفهم بأن كرامة المرأة وعفّتها لا تتحقق وتكتمل إلا بالحقوق. كما لا ينبغي أن يُفهم من هذا الربط، على أنه نوع من النزعة التوفيقية أو التلفيقية، لأن فكرة الحقوق هي فكرة أصيلة وعميقة في الشريعة الإسلامية.
ولن ننتظر تغييراً في إصلاح واقع المرأة والنهوض بها، إذا لم يتحقق إدماج العفّة والحقوق، في النظر إلى كرامة المرأة، وهذا الربط سيكون مصدر التجديد الديني في قضايا المرأة.

 ما هي في نظرك عوائق هذا التجديد الفكري والديني لمسألة النسويّة الإسلامية؟
أمام هذا السؤال يمكن الإشارة إلى ثلاثة أنماط أساسية، تقع في طريق إعاقة التجديد الفكري والديني لمسألة النسويّة الإسلامية، هذه الأنماط الثلاثة هي:
النمط الأول: العائق الفكري العام، ونعني به أن التجديد الفكري في مسألة النسويّة الإسلامية، له وضعية مفهوم الخاص، أمام مفهوم العام الذي يمثله التجديد الفكري في الفكر الإسلامي بصفة عامة.
بمعنى أن التجديد الفكري في مسألة النسويّة الإسلامية، يتأثر تقدماً وتراجعاً، صعوداً وهبوطاً، بوضعية الفكر الإسلامي العام، فكلما تقدم التجديد في ساحة الفكر الإسلامي، كلما تهيأت الفرصة لتقدم التجديد الفكري والديني في مسألة النسويّة الإسلامية، وكلما تراجع التجديد في ساحة الفكر الإسلامي، تقلصت معه فرص التجديد وتراجعت في مسألة النسويّة الإسلامية.
النمط الثاني: العائق الموضوعي العام، ونعني به أن التجديد الفكري في مسألة النسويّة الإسلامية، يتأثر تقدماً وتراجعاً، صعوداً وهبوطاً، بتقدم الحياة وتراجعها في المجتمعات العربية والإسلامية، فكلما تقدمت الحياة في هذه المجتمعات، يتقدم معها الفكر، ويزدهر فيها التجديد الفكري، التجديد الذي يمتد بالطبع إلى موضوع النسويّة الإسلامية. وكلما تراجعت الحياة في هذه المجتمعات، يتراجع معها الفكر، وينتكس فيها التجديد الفكري، ويتأثر منه تراجعاً موضوع النسويّة الإسلامية. ولهذا نرى أن وضعيات النسويّة الإسلامية، هي أفضل حالا في تركيا وإيران وماليزيا، باعتبار أن الحياة في هذه المجتمعات هي أكثر تقدماً من بقية المجتمعات العربية والإسلامية الأخرى.
النمط الثالث: العائق النسويّ الخاص، ونعني به أن التجديد الفكري في مسألة النسويّة الإسلامية، يتأثر حكماً واطراداً بواقع المرأة في المجتمعات العربية الإسلامية، فكلما تقدم هذا الواقع تقدم معه التجديد الفكري، وكلما تراجع هذا الواقع تراجع معه التجديد الفكري.

 كيف يمكن للنسويّة الإسلامية مواجهة هذه العوائق والتحديات؟
الذي أراه في هذا الشأن، أن رؤية الفكر الإسلامي المعاصر لمسألة المرأة، لن تتغيّر أو تتجدّد بالصورة التي تقبل بها المرأة وتنسجم معها، ما لم تُسهم هي نفسها في تغيير وتجديد هذه الرؤية على الصعيدين المعرفي والعملي. والسؤال هل تستطيع المرأة أن تَدفع وتُسهم في تجديد رؤية الفكر الإسلامي تجاه المرأة؟
يفتح هذا السؤال النظر لمدى الإسهام الفكري والثقافي للمرأة في الميادين والمجالات المتصلة بقضاياها وشؤونها، وفيما إذا كان هذا الإسهام يعد متقدماً ويتحرك بوتيرة متقدّمة؟ أو يعد متراجعاً ويتحرك بوتيرة متراجعة؟ أو يعد متأرجحاً بين التقدّم والتراجع، فيتحرك تارة بوتيرة متقدّمة، وتارة بوتيرة متراجعة؟
لا يراد من هذا الطرح بالتأكيد حصر اهتمامات المرأة بقضاياها وشؤونها، وكأنها لا معرفة لها ولا خبرة إلا في هذه القضايا والشؤون، وهذا ما تنتقده المرأة وترفضه، وتعده انتقاصاً بحقها، وإنما باعتبار أن المرأة هي الأقرب إلى هذه القضايا والشؤون، وكونها الأكثر دراية ومعرفة بها، وبوصف أن هذه القضايا والشؤون في إدراكها قد تعرضت للتعسف وسوء الفهم، وظلت تفسر بطريقة تفتقد لشروط العدالة والمساواة، وهي بحاجة إلى مراجعة وتصحيح، وذلك حين غابت أو غُيبت المرأة عن النظر والإسهام في هذه القضايا والشؤون.
ويأتي الحديث عن هذا الموضوع، في وقت بدأت فيه المرأة تعلن عن تقدّمها في الميادين الفكرية والثقافية، وأخذت ترفع من صوتها، وتطالب بالإصغاء والاستماع لها وهي تتحدث بنفسها عن هذه القضايا والشؤون، وعياً وإدراكاً منها أنها قد تأخرت كثيراً بالإسهام الفكري والثقافي في هذا الشأن، وكيف أنها أخطأت أو تضررت حين تركت للرجل يخوض في قضاياها وشؤونها، ويستحوذ عليها بخلاف رغبتها، الوضع الذي ضاقت به ذرعاً، وكأنها تريد أن تستعيد حقها في الحديث عن نفسها، تأكيداً لوجودها وحضورها، ورفضاً للواقع الذي فرض عليها غيابها أو تغييبها.
ومن الممكن القول، إن الفكر الإسلامي قد تأثر ضعفاً في تكوين رؤيته عن المرأة، بسبب الضعف الذي كانت عليه المرأة في التعبير عن رؤيتها الفكرية والثقافية، وهذا ما ندركه حينما حاولت هي التغلب على هذا الضعف، والاندفاع في التعبير عما تحمله من أفكار وتصوّرات، بحيث لم يعد بالإمكان الحديث عن رؤية الفكر الإسلامي للمرأة من دون العودة إلى خطاب المرأة نفسها، وكيف تنظر هي إلى ذاتها، وإلى هذه القضايا والشؤون المتصلة بها.

زر الذهاب إلى الأعلى