برغسون وبصيرة الوجدان
سلك المفكر الفرنسي هنري برغسون (1859 – 1941م) مسارًا فكريًا، جاء مغايرًا كليًا لطبيعة التيار الفكري السائد بقوّة في عصره، وشكّل لنفسه مذهبًا فلسفيًا تفارق به عن المذاهب الفكريّة والفلسفيّة على اختلاف منازعها واتجاهاتها في فضاء الفكر الأوروبي الحديث، وأصبح هذا المذهب علامة دالة عليه، وبات يكنى به موصوفًا بالمذهب البرغسوني أو الفلسفة البرغسونيّة، مسجلًا من خلاله وجودًا بارزًا في سياق تاريخ تطوّر الفلسفة الأوروبية الحديثة.
هذا المسار الفكري الجادّ والمغاير هو الذي لفت الانتباه إلى برغسون ومذهبه الفلسفي، وجعل منه فيلسوفًا له ذاتيته المتفرّدة، لا يكرر نفسه في الآخرين، ولا يتطابق معهم ويتماهى بلا تخالف أو تفارق. وهذه هي ميزة الفيلسوف الذي يحرص على الاحتفاظ بذاتيته في أعلى درجاتها، وتجعل منه صاحب هوية يستقل بها عن الآخرين ويتمايز، وتحفّزه لأن يكون صاحب قدرة على الاجتهاد، وقادرًا على الابتكار وتكوين مذهب فكري له نظامه المنهجيّ، وبنيته المعرفيّة، ولغته الاصطلاحيّة.
بالتأكيد لو أنّ برغسون كان على غير هذا المسار، وبقي متماهيًا مع التيار الفكري السائد في عصره ومتطابقًا، لكانت له وضعية فكرية مغايرة عن الوضعية التي وصل إليها وعُرف بها. علمًا أنّ من السهل اختيار مسلك التماهي مع الآخرين والتطابق معهم، وهذا سلوك معتاد عند معظم الناس، ويجري في مختلف جوانب حياتهم. فالإنسان بصورة عامّة لديه ميل التشبه والتشابه مع الآخرين، بتأثير ما يعرف في علم الاجتماع بضغط التوافق الاجتماعي، ولأنّ هذا الاختيار لا تترتب عليه كُلفة أو مشقّة.
بدأ برغسون في طوره الفكري المبكر، متناغمًا مع التيار الفكري السائد في مجتمعه، والذي كان ينزع نحو الوضعية العلمية التي شيّدها مؤسس الوضعية في فرنسا أوجست كونت (1798 – 1857م)، لكنه سرعان ما غيّر مساره الفكري، معلنًا عن تفارقه مع تياريّ الوضعية العلمية والتطوّرية الداروينية، ومتخذًا موقفًا ناقدًا لهما، وهما من أقوى التيارات الفكرية في عصره.
في هذا المسار المغاير، اتجه برغسون نحو الخبرة الباطنية، متوغلًا في عوالم الوعي الداخلية، متفحصًا هذه الخبرة وإلهاماتها، ومستظهرًا قوّة إدراكاتها، ومستكشفًا حاسة الحدس وفاعليتها الوجدانية، مبرزًا هذه الفاعلية التي وجد فيها رشدًا وبصيرة، مؤكدًا على أهميتها البالغة، وحيويتها المدهشة، محفزًا على الاقتراب منها والتواصل معها، وداعيًا إلى تنمية الوعي بها، مكوّنًا عنها معرفة واسعة ومثيرة، أثارت فضول الآخرين، وفتحت عليه جدلًا بقي مستمرًا ولم يتوقف. وحين تحدثت عنه الباحثة السويسرية جان هِرش في كتابها “الدّهشة الفلسفية.. تاريخ للفلسفة”، وصفته بفيلسوف الحدس، وعدّت فلسفته فلسفة حدسية، وأعطت هذا المفهوم وضعية المفهوم المركزي في فكره وفلسفته.
منطق الثنائيات
استند برغسون في تكوين مذهبه إلى منطق الثنائيات، التي تكرّرت عددًا، وتعدّدت نوعًا. من هذه الثنائيات وأبرزها: ثنائية الثبات والتطوّر مقدّمًا التطوّر على الثبات، وثنائية المكان والزمان مغلبًا الزمان على المكان، وثنائية الامتداد والديمومة منتصرًا للديمومة على الامتداد، وثنائية المادة والذاكرة مرجحًا الذاكرة على المادة، وثنائية الغريزة والذكاء مظهرًا تفوّق الذكاء على الغريزة، وثنائية الآلية الماديّة والدفعة الحيويّة معظمًا الدفعة الحيويّة وناقدًا الآلية الماديّة.
وهكذا في بحثه عن الأخلاق والدين، فقد أقام برغسون تأملاته وتحليلاته مستندًا إلى منطق الثنائيات، مُقسمًا الأخلاق إلى ثنائية الأخلاق المُغلقة والأخلاق المفتوحة، ناقدًا الأولى ومادحًا الثانية. ومقسمًا كذلك الدين إلى ثنائية الدين الساكن والدين الحركي، مُضعّفًا الأوّل ومقوّيًا الثاني. ومن شدّة تمسكه بهذه الثنائيات، فقد عدّه الباحث الأمريكي وليم كلي رايت (1877 – 1956م) في كتابه “تاريخ الفلسفة الحديثة” الصادر سنة 1941م، فيلسوفًا ثنائيًا.
الزمان والوعي
شيّد برغسون مذهبه، وأبان عنه في عدد من مؤلفاته المعروفة، يبرز منها أربعة مؤلفات، صدرت خلال الفترة الممّتدة بين العقد الأخيرة من القرن التاسع عشر إلى بداية العقد الرابع من القرن العشرين. ويأتي في مقدّمتها رسالته للدكتوراه المنشورة سنة 1889م، بعنوان “بحث في معطيات الوعي المباشرة”، والمعروفة في ترجمتها الإنجليزية بعنوان “الزمان وحرية الإرادة”. هذه الرسالة رأت فيها جان هِرش في كتابها “الدّهشة الفلسفية” أنّها من أفضل أعمال برغسون، وفيها بذرة لكل ما سيلحقه من مؤلفات.
اختار برغسون أنّ يدشّن مذهبه برسالة أكاديمية عُليا، لها في العرف الأكاديمي شروطها وضوابطها الصارمة منهجيًا ومعرفيًا، الأمر الذي يعني أنه بذل جُهدًا في تفحص مذهبه تدقيقًا وتحقيقًا، ولعله تقصد إضفاء البعد الأكاديمي على مذهبه، أو أنّه فضل الإطار الأكاديمي لتدشين مذهبه والإعلان عنه، لكي يتم التعامل معه بنوع من الجدية العلمية.
في هذه الرسالة، فارق برغسون بين إدراكات الإنسان في وجوده البراني المادي ووجوده الجُواني النفسي، ومفارقًا كذلك بين الزمان الخارجي الكمي والزمان الداخلي الكيفي، معتبرًا أنّ الزمان الأوّل يتسم بالتقطع والتجزؤ والانفصال على صورة تقطع اليوم إلى ساعات، والساعة إلى دقائق، وكل دقيقة هي غير الدقيقة التي قبلها، وغير الدقيقة التي بعدها، بهذه الطريقة الكمية المجزأة نتعامل مع الزمان الخارجي. والثاني يتسم بالاتصال والديمومة، ويرى فيه برغسون تجلّيًا لمفهوم الزمن الحقيقي. كما فارق أيضًا برغسون بين الحتمية والحرية، معتبرًا أنّ الحرية هي من معطيات الوعي الجُواني.
المادة والذاكرة
تمسكًا بمذهبه وتتميمًا له، تابع برغسون مساره، ونشر سنة 1896م، كتابًا بعنوان “المادة والذاكرة”، اتجه فيه إلى عالم الإنسان، متفحصًا النظر في ثنائية الجسم والنفس أو الروح، رابطًا الجسم بالمادة، ورابطًا الذاكرة بالروح، ومعتبرًا أنّ المادة تتصل بفضاء المكان وتعبر عن إدراكات محدودة، أمّا الذاكرة فتتصل بعالم الديمومة أيّ بالزمان المتصل الذي لا ينقطع ولا يتوقف وتتخطى إدراكات الجسم المحدودة. وبهذه الخُطوة يكون برغسون قد وثق العلاقة بين فلسفته وعلم النفس الذي هو أقرب العلوم إلى فلسفته، إن لم يكن هو العلم الأصلي لفلسفته، لكنه تفارق عنه في تركيزه على التحليلات الجُوانية المتعلقة بالروح، بينما اتجه علم النفس الحديث بتأثيرات النزعات الوضعية إلى التحليلات المادية، بربط الظواهر النفسية مثل الذاكرة والذكاء والنسيان وغيرها بالجسم وبالعمليات الفسيولوجية.
التطوّر الخلاق
جدّد برغسون على أرضية علم الأحياء مذهبه، عندما نشر سنة 1907م أشهر كتبه “التطوّر الخلاق”، الكتاب الذي عدّه الباحث الأمريكي ول ديورانت (1885 – 1981م) في كتابه “قصة الفلسفة”، أروع كتبه، ورأى فيه الباحث المصري يوسف كرم (1886 – 1959م) في كتابه “تاريخ الفلسفة الحديثة”، أنّه كان له وقع عظيم. في هذا الكتاب قدَّم برغسون نسقًا من التأملات والتحليلات والتطبيقات المتعدّدة العوالم، أسهمت في كسب فلسفته رصيدًا معرفيًا، وأضافت لها أبعادًا جديدة، ووسعت دائرة أفقها، وجدّدت الاهتمام بها في الأوساط الفكرية والفلسفية.
أقام برغسون بنية كتابه وأطروحته على قاعدة فكرة التطوّر، وأعطى هذه الفكرة صفة الحيويّ والخلاق، مفارقًا بها عن فكرة التطوّر الطبيعي والألي التي قال بها أصحاب النزّعة التطوّرية الداروينية. واستنادًا إلى هذه الفكرة رأى برغسون أنّ التطوّر الخلاق يجري على مستوى الحياة، وينقسم بكيفيات مختلفة في الأنواع الحيّة الثلاثة، وهي: النبات والحيوان والإنسان، ويحدث هذا التطوّر بتأثير ما يسميه برغسون الدفعة الحيويّة أو الوثبة الحيويّة، التي تجلّت بأدنى درجة في نوع النبات فأعطته دفعة حياة لها خاصية السُبات والخمول. وتجلّت بدرجة أعلى في نوع الحيوان، فأعطته دفعة حياة عمادها الغريزة، التي تحفظ بقاء نوعه، وتوفر له قدرة التكيّف على اختلاف أنماط البيئات الطبيعية. وتجلّت بأعلى درجاتها في نوع الإنسان، فأعطته دفعة حياة، عمادها العقل الذي يتفارق به ويتمايز عن الأنواع الحيّة الأخرى.
وبحسب اعتقاد برغسون أن الاختلاف في هذا الأنواع الثلاثة، هو اختلاف في الطبيعة وليس في الدرجة، ويقصد بذلك أن كل واحد من هذه الأنواع الثلاثة تطوّر وفق مسار مختلف عن الآخر، من دون تفريع بينها ولا انقسام. ومن ثمّ فإن الحيوان تطوّر وفق مسار يختلف عن مسار تطوّر الإنسان، فلا صلة لهما من هذه الجهة. ناقدًا بهذا القول ونافيًا صحة ما ذهبت إليه النظرية الداروينية في تطوّر الأنواع ومتفاصلًا عنها.
وبشأن حقيقة هذه الدفعة الحيويّة وما اكتنفها من غموض وإبهام، نقل يوسف كرم في كتابه “تاريخ الفلسفة الحديثة”، أن برغسون أفصح لأحد النقاد عمّا يقصده بهذه الدفعة الحيوية، فأوضح أنه “يتحدث عن الله، باعتباره الينبوع الذي تخرج منه على التوالي بفعل حر، التيارات التي يكوّن كل منها عالمًا، وأن الله من ثمّ متمايز منها”.
منبعا الأخلاق والدين
في طور آخر، وعلى أرضية الأخلاق والدين، واصل برغسون تجديد فلسفته، فأصدر سنة 1932م، كتابًا بعنوان “منبعا الأخلاق والدين”، أراد منه إعطاء فلسفته بعدًا أخلاقيًا واتصالًا بالدين، والكشف عن جريان فلسفته في مجالي الأخلاق والدين. في هذا الكتاب واستنادًا إلى منطق الثنائيات، قسم برغسون الأخلاق إلى قسمين، الأوّل أطلق عليه تسمية الأخلاق المُغلقة، قاصدًا بها أخلاق المجتمعات التي تُقيّد نفسها بتقاليد والتزامات وعادات تنغلق عليها، وتتمسك بها لحماية التضامن الاجتماعي، مندفعة في هذا السلوك بتأثير هو أشبه بتأثير الغريزة، غريزة الحياة.
الثاني أطلق عليه برغسون تسمية الأخلاق المفتوحة، قاصدًا بها أخلاق المجتمعات التي انطلقت فيها الدفعة الحيويّة بتأثير من الذكاء، فاتجهت نحو الأبعاد الإنسانية، متخطية الأبعاد المغلقة. وعلى هذا النسق كذلك قسم برغسون الدين إلى قسمين، الأوّل أطلق عليه تسمية الدين الساكن، ويخص به المجتمعات التي تكون منقطعة عن التطوّر، والثاني أطلق عليه تسمية الدين الحركي أو الديناميكي، ويخص به المجتمعات التي تكون مستجيبة إلى التطوّر.
نقد وتقويم
هذا من ناحية التحليل لفلسفة برغسون، أمّا من ناحية النقد. ابتداء لا بد من بيان أن ما من فلسفة أو نظرية ظهرت في فضاء الفكر الأوروبي إلّا ونالت قسطًا من النقد، جاء من الأوروبيين أنفسهم قبل غيرهم، وهم يتبادلون النقد فيما بينهم، كل واحد على طريقته وتقليده، وبحسب منهجه ومذهبه. ويعدون مثل هذا النقد اعترافًا بأهمية النظرية المقصودة بالنقد وحيويتها، ومن دونه لا تكتمل حلقات هذه النظريات، وبواسطة هذا النقد يتعرف الأشخاص على فاعلية نظرياتهم. ويحدث ذلك بتأثير الفلسفة وديناميتها في فضائهم، وبفضل تقدّم العلم وازدهار المعرفة، ونتيجة تطوّر الفكر النقدي، إلى جانب نهضة المناهج.
وبالنسبة إلى فلسفة برغسون، فإن لها طبيعة فكرية تحتمل كثيرًا من النقد والنقد المستمر خصوصًا في فضاء الفكر الأوروبي، لأن هذه الفلسفة اتجهت إلى الخبرة الباطنية، وارتكزت على بصيرة الحدس، وتفارقت بهذا المسار عن التيار الفكري العام الذي كانت له سطوة قويّة في عصره. إضافة إلى كون هذه الفلسفة مسّت أعظم شيء تفاخر به الفكر الأوروبي الحديث، وهما: العلم والعقل، فقد جاءت ومثّلت اتجاهًا نقديًا لهما، ووقفت في طريقهما، وحاولت كسر شوكتهما.
لذا فقد تركز جانب مهم من النقد تجاه هذه الفلسفة في ناحية الموقف من العقل، فحين توقف عندها ول ديورانت في كتابه “قصة الفلسفة”، رأى أنّ برغسون هاجم العقل، ودعا إلى الأخذ بحكم البصيرة، وكان من الأفضل لو أنه عقد أمله على عقل أرقى من البصيرة وأوسع منها، لأن البصيرة الباطنية قد تخطئ كما تخطئ الحواس الخارجية. وأضاف ديورانت كان من الأنسب لبرغسون أن يذهب في بلاغته إلى الحدّ من تطرف المذهب العقلي الذي أسرف في الاعتداد بالعقل إسرافًا كبيرًا، ولكنه لم يُصب في وضع البصيرة مكان العقل. مع ذلك فقد عدّه من أعظم الفلاسفة المعاصرين، وأن أعظم ما جاء به، هو هجومه على النزّعة المادية الآليّة.
وضمن هذا المنحى النقدي، واتجاهًا إلى المجال العربي، رأى محمد عابد الجابري (1936 – 2010م) في كتابه “قضايا في الفكر المعاصر”، أن ما جاء به برغسون إذا كان فيه نوع من الإنقاذ للقيّم السامية العليا، فإن الثمن في مقابله باهض جدًا، إذ يتم التضحية بالعقل وإحلال الوجدان محله. مضيفًا أن ما دعاه برغسون بالدفعة الحيويّة شيء غير معقول، وغير قابل للفهم والتّعقل.
وما أراه أن هؤلاء النقاد وغيرهم، قد غاب عن إدراكهم أن برغسون قد التفت إلى بُعد غائب أو مغيب وأعاد له الروح والحياة، وجدّده فكريًا وفلسفيًا، وأعطاه أفقًا يلامس أزمة الفكر الحديث. ونعني بهذا البُعد الغائب الخبرة الوجدانية أو التجربة الجُوانية التي لها بصيرة لا يمكن للعقل أن يحل مكانها أو يكون بديلًا عنها. وكأن برغسون أراد أن يعيد للإنسان توازنه، فالإنسان ليس كائنًا عقليًا فحسب، بل هو كائن وجداني أيضًا، يكتسب بصيرته من العقل ويكتسبها كذلك من الوجدان.
من جهة أخرى، كان من السهل على برغسون أن يساير الاتجاهات الفكرية البارزة والمؤثرة في عصره، خصوصًا اتجاهات الوضعية العلميّة والداروينية التطوّرية، ويتبع نهجهما، ويصطف إلى جانبهما، ولن يكلفه هذا الاختيار شيئًا كثيرًا أو باهضًا، لكنه في هذه الحالة سيكون جزءًا مندكًا في هذه الاتجاهات، ليست له بالضرورة بصمة مميزة، أو علامة فريدة، لأنه قد لا يكون متحفزًا بقوّة، ومندفعًا بحس التحدي، كما لو كان صاحب اختيار متفارق به عن الآخرين، وطامحًا أن لا يكرر نفسه في الآخرين، وساعيًا لأن يصبح صاحب فلسفة مستقلة، إثباتًا لذاتيته، وتحقيقًا لوجوده.
ويتصل بهذا المعنى، ما أشارت إليه جان هِرش حين حاولت أن تُبرز تميز برغسون، إذ رأت أنّه كرس جهوده بأكملها في سبيل كسر أقفال الأبواب التي باتت اليوم تبدو لنا مشرعة، بينما كانت في عصره مغلقة بأقفال صلبة.
من جهة ثالثة، من يتتبع تاريخ الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر يجد أنه بذل جهدًا كبيرًا بقي ممتدًا ومتراكمًا حول مسألة العقل، وتمحورت حول هذه المسألة العديد من الأدبيات التي يصعب حصرها، واتخذت منها بعض المدارس الفلسفية الكبرى مذهبًا لها، وخضعت إلى تحليلات واستكشافات ضخمة ومركزة، وتطوّر الاهتمام بها، وارتقت إلى منزلة المرجعية، واكتسبت صفة المرجعية المظفّرة.
في المقابل لا نجد مثل هذا المستوى من الاهتمام متجهًا إلى الخبرة الوجدانية، وهذا ما تفرد به برغسون في فضاء الفكر الأوروبي المعاصر، فقد اقتحم مجالًا لم يكن في وقته مغريًا، ولا أبوابه مشرعة، وقلّ فيه أو ندر عدد السالكين، مما يلفت إلى أهمية هذا الاختيار البرغسوني. إضافة إلى أن برغسون تفرد على غيره تأملًا وتحليلًا حتى في نطاق هذا الاختيار، فلم يكن مكررًا لمقولات السابقين، بل قدم إسهامًا جادًا، رفعه ليكون صاحب فلسفة، يُعرف بها في هذا الشأن، مشتهرة بالفلسفة البرغسونية.