الفلسفة والحكمة.. تقاطع الدلالة واختلاف المنزلة
التقت الفلسفة والحكمة لفظًا ومعنًى في فضاء العرب والمسلمين، بعدما عُرّفت الفلسفة وفقًا لمصدرها اليوناني القديم بأنّها تعني “حُب الحكمة” أو “مَحبة الحكمة”. ومن ثمّ أصبح الترادف والاقتران بين الكلمتين في ناحية اللغة ممكنًا، وبات جاريًا في الاستعمال بلا معارضة غالبًا، وظاهرًا في الكتابات وعلى ألسنة أهل الخاصة من الناس قديمًا وحديثًا.
هذا الاقتران جاء ووسع هامش النظر إلى الفلسفة والحكمة معًا، وفتح أفقًا دلاليًّا تشاركيًّا مهمًّا بينهما، وأصبح من الممكن تفحص الفلسفة من زاوية الحكمة وحقلها الدلالي، وتفحص الحكمة من زاوية الفلسفة وحقلها الدلالي. مع ذلك ظلّت وضعية العلاقة بين الفلسفة والحكمة في المجالين العربي والإسلامي موضع جدل وتجاذب، وبقي التناظر حولهما قائمًا. وتفحصًا لهما نتساءل: هل بينهما ترادف وتطابق؟ أم تشارك من جهة وتفارق من جهة أخرى؟
لتكوين المعرفة بهذه المسألة، وتبصرًا في أبعادها المتعدّدة، يمكن الإشارة إلى العناصر الآتية:
أولًا: على مستوى اللغة
ظهر هذا الجانب اللغوي واضحًا، لأن “الفلسفة” كلمة يونانية قديمة، تحدّدت مبنى ومعنى في نطاق اللغة اليونانية، ودخلت إلى مجالنا اللغوي عبر حركة الترجمة في القرن الثاني الهجري، وظلّت وما زالت تُعرف بهذه الصفة، وبهذا النسق اللغوي والتاريخي. وفي وقت مبكر أبان عن هذا الأمر، كبير فلاسفة المسلمين الفارابي (260 – 339هـ/ 874 – 950م) موضحًا أصل كلمة فلسفة ومعناها، قائلًا: “اسم الفلسفة يوناني، وهو دخيل في العربية، وهو على مذهب لسانهم فيلاسوفيا، ومعناه: إيثار الحكمة”.
في المقابل فإن “الحكمة” كلمة عربية قديمة، عرفت في اللسان العربي نثرًا وشعرًا، ثم وردت في النص الديني الإسلامي وتواترت قرآنًا وسنة. وقد حضرت بتعريفاتها وتصريفاتها واشتقاقاتها وتعدد استعمالاتها، في جميع معاجم اللغة العربية تقريبًا القديمة والحديثة.
وبتأثير النص القرآني وفاعليته، تغيّرت كليًّا وضعية كلمة “الحكمة”، ونالت شرفًا وتعظيمًا في الأدب العربي. فقد وردت هذه الكلمة وتواترت في آيات عدّة، وعدّت من الكلمات القرآنية الفريدة في حقلها الدلالي، واتصلت باقترانات أسهمت في لفت الانتباه إليها بدرجة كبيرة، وجعلتها في دائرة التبصر والتبصر المستمر. حدث ذلك بعدما تكرر اقتران هذه الكلمة بكلمة “الكتاب”، وجاء أكثر استعمالات هذه الكلمة في سياق هذا الاقتران الذي تكرّر في عشر آيات، وردت في خمس سور، جميعها من السور المدنية، وهي: “البقرة” التي وردت فيها ثلاث آيات، تحدّدت في هذه الأرقام (129 – 151 – 231)، منها قوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (البقرة، آية: 129). وسورة “آل عمران” التي وردت فيها أيضًا ثلاث آيات، تحدّدت في هذه الأرقام (48 – 81 – 164)، منها قوله تعالى: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) (سورة آل عمران، آية: 48). وسورة “النساء” التي وردت فيها آيتان هما: (54 – 113)، وسورة “المائدة” الآية (110)، وسورة “الجمعة” الآية (2).
هذا الاقتران وتواتره، وتحديدًا مع كلمة “الكتاب”، وضع كلمة “الحكمة” في دائرة التساؤل الدائم، والبحث المستمر، والتأمل الفاحص، وظهرت هذه الكلمة كما لو أنّها الكلمة الثانية من ناحية المنزلة بعد “الكتاب”، أو أنّها تتصل من ناحية المعنى بالكتاب، أو أنّها وثيقة الصلة من ناحية العُلقة بالكتاب. لذا فإن هذه الكلمة قطعًا ليست من نمط الكلمات العادية أو البسيطة، أو التي يمكن المرور عليها من دون التوقف عندها، أو التغاضي عنها وعدم التبصر فيها، أو التهاون بها وعدم الالتفات إليها.
وتأكيدًا لهذا الأمر، فقد اجتمعت حول هذه الكلمة وتراكمت العديد من التفسيرات والتأويلات والتأملات، وقد بقيت ممتدة من الأزمنة القديمة إلى هذه الأزمنة الحديثة. وما زالت هذه الكلمة إلى اليوم تثير الدّهشة بدرجة عالية، وتبعث على التساؤل الجاد، خصوصًا من جهة علاقتها بالكتاب.
من جانب آخر، يمكن إدراج هذه العلاقة التي يمكن وصفها بالفعالة بين كلمتي “الفلسفة” و”الحكمة” في دائرة ما يعرف في حقل الدراسات الأدبية والنقدية بالتثاقف والمثاقفة، وفي حقل الدراسات الثقافية بنطاق ما يعرف بحوار الثقافات، لكون أنّ كلمة “الفلسفة” جاءت من الثقافة اليونانية وعدَّت من كلماتها العظيمة، وجاءت كلمة “الحكمة” من الثقافة العربية والإسلامية وعدَّت أيضًا من كلماتها العظيمة. وانتظمت هذه العلاقة بين هاتين الكلمتين وبقيت واستمرت، وضربت مثلًا رائعًا، وأصبحت كلمة “الفلسفة” تذكر دومًا بالثقافة اليونانية في فضاء الثقافة العربية والإسلامية، كما أصبحت كلمة “الحكمة” تذكر بالثقافة العربية وتواصلها في هذا النطاق مع الثقافة اليونانية.
مع ذلك، فحين المقارنة بين هاتين الكلمتين على مستوى اللغة، نرى أنّ كلمة “الحكمة” هي أكثر أصالة من كلمة “الفلسفة”، لأنّها كلمة عربية وشريفة مبنى ومعنى، واكتسبت بفضل القرآن الكريم تشريفًا وتعظيمًا.
ثانيًا: على مستوى المفهوم
مثّلت الفلسفة في تاريخ المسلمين الفكري إشكالية كبيرة ومعقدة، وتغايرت حولها المواقف قديمًا وحديثًا، لكونها عُدّت من العلوم الوافدة من الثقافات الأجنبية، وتحديدًا من الثقافة اليونانية التي ترتدّ إلى عصور ما قبل الميلاد، وعُرفت بوصفها ثقافة بعيدة من الدين، واتصلت بالمسيحية في عصر متأخر يؤرّخ له بعصر الدولة الرومانية، بعدما اعتنقت المسيحية في عهد الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع الميلادي. لذا فقد أعلن بعض علماء المسلمين القدماء، وخصوصًا من طبقة الفقهاء والمحدثين عن تحفظهم النفسي والفكري تجاه الفلسفة، واتخذوا موقفًا رافضًا لمحاولات التوفيق بينها وبين الدين، أو تقريبها إلى فضاء الثقافة الإسلاميّة، والاستناد إليها في مسائل العقيدة وأصول الدين وحقل الإلهيات عمومًا.
وتفاديًا لهذا الموقف الضاغط، وتخففًا منه، وجد بعض في مفهوم “الحكمة” خيارًا بديلًا عن “الفلسفة”، وسبيلًا لرفع الحرج النفسي والفكري من الاقتراب والتعاطي مع مفهوم أجنبي ودخيل وغريب عليهم وعلى ثقافتهم وديانتهم. ولعل في تقدير هؤلاء أو بعضهم أنّنا من الأساس لم نكن في حاجة إلى تبني لفظ أو مفهوم أجنبي ودخيل مثل الفلسفة، ما دام لدينا لفظ أو مفهوم عربي وأصيل، وينتمي إلى ثقافتنا وتاريخنا وديننا مثل الحكمة.
وبناء على ذلك، فإن دافع الاضطرار في هذا المورد مرفوع، فلا يقال ولا يقبل في منظور هؤلاء أنّ التعاطي مع الفلسفة لفظًا أو مفهومًا حدث بدافع الاضطرار الذي لا مورد له مع وجود الحكمة لفظًا ومفهومًا. إضافة إلى أنّ هؤلاء أو بعضهم قد يرون في هذا الاقتران المستمر بين الفلسفة والحكمة، يمكن أنّ يؤدي إلى غلبة الفلسفة وتفوُّقها على الحكمة واحلالها مكانها، وإمكانية العبث في محتواها ومضامينها. وذلك استنادًا إلى خلفية قوّة الفلسفة وسطوتها وعراقتها وقدم تاريخها، وضخامة إرثها، وتآزر ثقافات العالم معها. ولأنّ هذا الأمر يندرج -بحسب منطق هؤلاء- في باب غلبة لفظ أجنبي دخيل على لفظ عربي أصيل، فلا بد من سد الطريق عليه حفظًا للفظ عربي وأصيل هو “الحكمة”.
من وجه آخر، رأى الباحث المغربي علي بن مخلوف في كتابه “لماذا نقرأ الفلاسفة العرب؟”، أنّ الفلاسفة العرب القدماء تبنوا استراتيجية وصفها بالحاذقة، لتقبل الفلسفة، وتعزيز قبولها لدى المسلمين من بوابة الحكمة، لشطب أصلها اليونانيّ والوثنيّ، وجعل ممارستها مشروعة من قبل الدين.
ثالثًا: على مستوى الغاية
يمكن نظم العلاقة بين الفلسفة والحكمة على قاعدة الغاية، بمعنى أن ننظر إلى الفلسفة من جهة تحصيل الحكمة وبلوغها، والتخلّق بها، بوصفها درجة عالية تفوق الفلسفة رتبةً. وبهذا المعنى تصبح الفلسفة طريقًا والحكمة غاية، وهذا أصوب طريق تسلكه الفلسفة حين تكون بلوغ الحكمة غايتها، كما أنّه أصعب طريق، وأطول سبيل في هذا الدرب، ليس من السهولة الوصول إلى هذه الغاية وبلوغها، وليس من المستحيل كذلك.
وبالتأكيد ليس كل من سلك طريق الفلسفة وصل إلى الحكمة وبلغها، إمّا لأّنه لم يقطع الطريق إلى نهايته الطويلة ولم يتحمل مشقّته صبرًا وطاقة، وإمّا لأنّه يقوى على الفلسفة علمًا ولا يقوى على الحكمة خُلقًا. وبهذا المعنى فإنّ الحكمة تجمع بين العلم والأخلاق بلا فصل بينهما ولا قطع، بطريقة يتم فيها تخليق العلم وتعليم الأخلاق.
ومن هنا جاز الفصل، وجاز القول، بأنّ ليس كل فيلسوف حكيمًا، لكن كل حكيم فيلسوف، فالأوّل بلغ الفلسفة ولم يبلغ الحكمة، والثاني بلغ الفلسفة والحكمة معًا. وبهذا الاعتبار فإنّ الفيلسوف أقل رتبة، والحكيم أعلى درجة. والفيلسوف الذي بلغ الفلسفة عليه مواصلة الدرب لبلوغ الحكمة التي تقع في طريقه لأنها كمال الفلسفة، ومن دونها تصبح الفلسفة ناقصة. هذه بعض وجوه العلاقة بين الفلسفة والحكمة.