أين ذهب كل المثقفين؟ من منظور فرانك فوريدي
تساءل الكاتب البريطاني وأستاذ علم الاجتماع فرانك فوريدي، متحدثًا عن المثقفين قائلا: أين ذهب كل المثقّفين؟ واختاره عنوانًا لكتابه الصادر سنة 2004م، عابرًا بهذا السؤال زمنًا إلى فضاء القرن الحادي والعشرين، فاتحًا به ومجددًا النقاش النقديّ الذي لم يتوقف حول فئة المثقفين، حضورهم ووجودهم، دورهم وتأثيرهم، صعودهم وتراجعهم، ناظرًا إلى هذا السؤال في نطاق المجال الغربي بشكل عام، والمجال البريطاني بشكل خاص.
هذا السؤال وبخلاف ظاهره، أراد منه فوريدي تقديم مرافعة دفاعيّة عن المثقفين، داعيًا لإعادة الاعتبار إليهم وتقدير دورهم وأثرهم، منطلقًا في هذا الموقف من خلفية ما طرأ من تغيّر على مكانة المثقف وتراجع دوره، وتقلص نفوذه وتأثيره، بل وتحوّله إلى شخص تناقصت أهميته على نحو لافت، وبات بالإمكان الاستغناء عنه. الأمر الذي دفع فوريدي لأن يرفع صوته عاليًا، معلنًا أنّ المثقف أصبح مخلوقًا مهددًا بالانقراض!
من هذه الناحية، افترق هذا الكتاب عن ذلك النمط من الأدبيات التي وضعت المثقف في دائرة الاتهام والذمّ، ويبرز من هذه الأدبيات ويتقدّم كتاب “خيانة المثقفين” الصادر سنة 1927م، للكاتب الفرنسي جوليان بيندا (1867 – 1956م) الذي عدَّ أحد أكثر الأدبيات نقدًا وتوبيخًا لأولئك المثقفين الذين يتخلّون عن رسالتهم.
كما أنّ هذا السؤال الذي طرحه فوريدي، وبخلاف ظاهره أيضًا، ليس المقصود منه مخاطبة المثقفين، وإنما جاء لمخاطبة غيرهم، وتحديدًا تلك المؤسسات التعليميّة والجامعيّة والثقافيّة والفنيّة التي رأى فوريدي أنّها تخلّت عن فئة المثقفين، واتّجهت إلى غيرهم، وفضلت عليهم خبراء وأكاديميين ومهنيين وإداريين يؤدون وظائفهم بنوع من الذكاء والحذق والاحترافيّة، وليس بوصفهم مشاركين في طبقة المثقفين ويعرفون بحسهم الفكري والنقدي. أي أن هؤلاء خاضعون لسلطة غيرهم، ولا سلطة فكرية اعتبارية لديهم. وبحسب وصف فوريدي الذي أشار إليه متأسفًا أن هؤلاء ينتمون إلى مؤسساتهم، لكنهم يبقون غرباء عن الجمهور العام. فهذه المؤسسات وباختيار منها هي التي أشاحت عن سائر المثقفين، فيما أشاح المثقفون وبرغبة منهم عن هذه المناشط. فجرى استبدال المثقف بشخص الخبير، الذي رأى فيه فوريدي أنّه أسهم في إضعاف اهتمام الجمهور بمناقشة القضايا الكبرى، وفي مثل هذا المناخ وجد المثقفون أنّه من الصعوبة تكوين أصوات لهم، وإيجاد جمهور يستمع إليهم.
ومن هذه الناحية ظهر كتاب فوريدي، منسجمًا في توجهه العام مع كتاب “آخر المثقفين” للناقد الأمريكي راسل جاكوبي (1945-…) الصادر سنة 1978م، والذي عدّه فوريدي من أكثر النصوص إشكاليّة بالنسبة إلى المثقفين في السنوات الأخيرة، وجاء ليستكشف ظاهرة اختفاء المثقّفين في الحياة العامة، وتحليل تضاؤل تأثيرهم في المجتمعات. وحين أشار إدوارد سعيد (1935 – 2003م) إلى هذا الكتاب، في مؤلفه “صور المثقف” اعتبره الكتاب الذي أثار الكثير من المناقشات، وحاول فيه مؤلّفه إثبات الدعوى التي لا يرتقي إليها الشك، وهي أنّ المثقف غير الأكاديمي قد اختفى كليًّا في الولايات المتحدة، ولم يخلف وراءه سوى مجموعة من أساتذة الجامعات ممّن تستحوذ عليهم اللغة الاصطلاحيّة، والذين لم يعرهم أحد في المجتمع أي اهتمام يذكر.
جاء هذا الموقف النقدي والدفاعي من فوريدي بعدما شعر بقلق، وانتابه إحساس عميق بفقدان البوصلة الفكريّة الذي اعترى العديد من المؤسسات الثقافيّة، وامتد إلى المدارس والجامعات في بريطانيا. وسبق أن شرح بعض هذه المخاوف في مقالة نشرها بعنوان “ما الذي تعنيه الجامعة الآن؟” أوضح فيها ما أطلق عليه الغياب النسبي للتحفيز الفكري والتحدّي في الجامعات المعاصرة، وسرد قصصًا أخبره بها طلاب في المرحلة الجامعية الأولى، وما كان ينتابهم من شعور عميق بالضجر حيال تجربتهم الجامعيّة، كاشفًا عن العديد من الحالات التي يقضي فيها الطلاب عامًا كاملًا من دون أن يقرؤوا فيها كتابًا كاملًا.
وضمن هذا السياق، اتّجه فوريدي منتقدًا ما سماه تسطيح محتويات المناهج الجامعيّة، والاستهانة بذكاء الجمهور، وجعل الثقافة والتعليم خاضعين للقياس والحساب الكمي بدلًا من تقدير قيمتهما، متأملًا أن يفتح مناظرة فكرية حول هذه القضايا والهموم، ومتطلعًا إلى انبثاق حياة فكرية وثقافية تثير قدرًا أكبر من التحدّي، وتسهم في تطوير جمهور متعلم ومثقف.
أثار هذا الطرح النقدي نقاشًا تعددت فيه وتباينت وجهات النظر، بين من اصطف إلى جانب فوريدي وسانده، ويبرز من هؤلاء الناقد المعروف تيري إيغلتون الذي رأى في هذا الطرح تدخلًا جريئًا وتشخيصًا في غاية الدقة. أمّا الذين خالفوا هذا الطرح النقدي وعارضوه، فيبرز من هؤلاء الكاتب نويل مالكوم الذي ميّز بين الباحث والمثقف، معتبرًا أن الباحث وليس المثقف هو الذي اضطلع بالبحث عن المعرفة، فيما لم يسهم المثقف في إنماء المعرفة بقدر ما أسهم في الدفاع عن التفكير النقدي. ومن هؤلاء المعارضين أيضًا، الكاتب روجر سكروتون (1944 – 2020م) الذي ذهب إلى أن المثقفين يعطون أهمية لمواقفهم المعارضة أكثر ممّا يعطونه للحقيقة. إضافة إلى وجهات نظر أخرى وصفت رؤية فوريدي وتحليلاته بالنخبويّة والسلبيّة والنفعيّة وعبادة الماضي، وتدمر العجائز.
لا شك في أهمية هذه القضيّة وحيويّتها، وستظل قضيّة المثقفين حاضرة في المناظرات الفكريّة والنقديّة على مستوى العالم، ومتجدّدة لا نهاية لها ولا خاتمة، متراوحة غالبًا بين اتجاهين بارزين إمّا تعظيمًا لدور المثقفين وشجاعتهم الأخلاقيّة والنقديّة، وإمّا توبيخًا لهم على تقاعسهم وتنكرهم لرسالتهم التنويريًة والأخلاقيًة. ويكفي دلالة على أهمية هذه القضية، أن من بين كل الفئات الاجتماعية الأخرى على تشكلاتها وأنواعها، ليس ثمّة من يستطيع أن يحلّ مكان فئة المثقفين ويأخذ دورهم، أو يمحو أثرهم، ويقطع إرثهم الفكري والنقدي الممتد عبر التاريخ القديم والحديث.
كما أن هذه القضية، هي من نمط القضايا العابرة بين المجتمعات كافة، فلا تتحدّد بمجتمعات معيّنة أو تنحصر عليها، مهما كانت صفة هذه المجتمعات وطبيعتها تقدمًا وتأخرًا، لأن ما من مجتمع تقريبا يعدّ خاليًا كليًا من هذه الفئة الموصوفة بالمثقفين، على اختلاف وجودهم وحضورهم كمًا وكيفًا، قوة وضعفًا. فهذا الوجود بطبيعته يخلق نوعًا من الأثر، وشكلًا من التوتر، يضع هذه الفئة في دائرة الضوء. ويحيل حتمًا إلى فتح نقاش حول هذه الفئة، وإذا لم يأت مثل هذا النقاش من غيرهم، فسوف يأتي من داخلهم.
في هذا الإطار يسجّل لفوريدي أنّه جدّد النقاش حول هذه القضيّة، وجعل منها موضوع مناظرة فكريّة حيّة، وطرحها بطريقة حفّزت على خلق جدل وسجال، وأخرجها من دائرة الرتابة التي تصاحبها أحيانًا، وتعامل معها الكتّاب والنقّاد بنوع من الجديّة، ولم يرون فيها قضية باتت بالية أو قديمة، أو لا جدوى منها ولا تستحق التوقف عندها. فبعد الحديث الطويل والممتد حول المثقف والمثقفين لم تعدّ هذه القضية في أغلب الأحيان تثير شغفًا أو فضولًا، ومن السهل النظر إلى هذا الموضوع بوصفه موضوعًا مملًا ومكررًا ورتيبًا.
من جانب آخر، يسجّل على فوريدي أنّه تخطى المثقفين ولم يوجه لهم نقدًا، وكأن مسؤولية تهميشهم وتغييبهم تقع على غيرهم في الخارج، ولا تقع عليهم ذاتًا. ومثل هذا الأمر لا أظن أنه كان خافيًا على فوريدي نفسه لكونه منهمكًا بهذا الموضوع، لكنه تجاوزه ولم يقدّم توضيحًا له أو تبريرًا مقنعًا. فلا يمكن بأي حال من الأحوال تخلية المثقفين من المسؤولية، وهذا ما يعرفه هؤلاء المثقفون عن أنفسهم قبل غيرهم.
إضافة إلى أن نقد المثقفين لا يتنافى ومسألة الدفاع عنهم وإعادة الاعتبار إليهم. إلا أن يقال بأن المثقفين أخذوا نصيبهم من النقد وزيادة، وظلّ النقد يلاحقهم بلا توقف في كل الأزمنة، ومن ثمّ فلا حاجة إلى الانغماس فيه مجددًا، وبعدما أصبح ظاهرًا وبينًا. مع ذلك فإنّ فوريدي لم يكن متوازنًا في هذه الناحية، فقد تمسك بجانب الدفاع وتخلى عن جانب النقد.
أما نحن في المجال العربي، فماذا يعني لنا سؤال فوريدي: أين ذهب كل المثقفين؟
من منظور المتشائمين، ثمّة من يرى أنّ جل المثقفين ذهبوا منذ وقت ولم يعودوا، وأحسنوا صنعًا إذ لم يعودوا، فغيابهم ووجودهم شيء واحد، لا يغير حالًا، ولا يحرك ساكنًا، ولا يقدّم ولا يؤخر، ولعل غيابهم أحسن من وجودهم، إذ من دونهم يكون المجتمع، وتكون الحياة أقل ضجيجًا، وأكثر هدوءًا، لأنهم لا يصدر منهم إلا الضجيج، والتلوّث الصوتي والذهني.
أمّا من منظور المتفائلين فهم لا يقبلون بهذا الرأي المفرط في تشاؤمه، ويرون أن سؤال أين ذهب كل المثقفين؟ هو سؤال محقّ، وينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس من أجل اتّهام المثقفين وتوبيخهم، وكيل الذّم والقدح لهم، بل من أجل استعادة دورهم، إذ لا ينبغي لأي مجتمع أن يفرّط في مثقفيه، لأنه لا ينبغي أن يفرّط في أذكيائه، وفي طبقته المثقفة.