الثلاثاء 20 ربيع الأول 1443 هـ   - 26 اكتوبر 2021 م

الحوار- مجلة فكرية ثقافية فصلية سعودية، العدد 43، ذو الحجة 1442هـ/ أغسطس 2021م

المنطق وفكرة الحوار (1)

تفردت علاقة المنطق بفكرة الحوار بخاصية مميزة، فارقت بينه من هذه الجهة مع باقي العلوم والمعارف الأخرى على أقسامها، تحددت هذه الخاصية في النظر إلى ظاهرة الحوار بما هي ظاهرة. فالنظر هنا متجه إلى الظاهرة ذاتها، بقصد تصويبها وتسديدها، لكي تجري عملية الحوار بطريقة سليمة وصحيحة، متقيدة بالمنهج، ومنضبطة بالقواعد والأصول التي يعرف بها علم المنطق.

وقد جاءت نشأة المنطق تاريخيًا في العصر اليوناني القديم، استجابة لمجابهة ما عرف آنذاك بالنزعة السوفسطائية التي اشتدت هناك، وطغت على الحياة العامة، اجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا وسياسيًا وقانونيًا، وجلبت معها حالة من الفوضى، وأعاقت طرق التواصل والتفاهم بين الناس، وتحولت إلى شبه مهنة يراد منها التكسب، متداخلة مع مهنة المحاماة، وعدت نوع مهارة حجاجية وخطابية، يراد منها التفاضل على الآخرين بالتغلب عليهم باستعمال الحجج الزائفة.

وهذه النزعة في أصلها نزعة جدلية قائمة على صناعة المغالطات، والتفنن بالمماحكات الزائفة، والتلاعب بالألفاظ، وعدم الاعتراف بوجود الثوابت، والميل إلى الشك في كل شيء، واعتبار الإنسان نفسه هو مقياس الحقيقة، فهو الذي يقرر الصواب، وهو الذي يقرر الخطأ. ومن ثم فليست هناك مشتركات يمكن الاتفاق عليها، ولا جواهر يمكن التسالم بها، ولا ثوابت يمكن الركون إليها.

وجاء المنطق لمجابهة هذه النزعة ودحضها، ومثل ثورة عقلية عليها، ساعيًا لبيان فسادها، وكشف زيفها، وفضح تلاعباتها، والتأكيد على تهافت مشاغباتها ومماحكاتها. وقد تمكن المنطق من التغلب عليها، معلنًا انتصار الحجج السليمة على الحجج الزائفة، مفارقًا بين البراهين الصحيحة والبراهين الفاسدة، معيدًا إلى الفكر تماسكه، وإلى التفكير موازينه، مرسخًا النظام، ومتخلصًا من الفوضى.

فتلاشت هذه النزعة الهدامة واندحرت، وبقي المنطق علمًا متسيدًا، حاضرًا في قلب المعرفة الإنسانية، محافظًا على موقعيته السامية، عابرًا بين الأجيال، ممتدًا من الأزمنة القديمة إلى هذه الأزمنة الحديثة.

ونتيجة لهذه الصلة التاريخية القديمة أصبح الحوار من موضوعات المنطق، متفردًا بهذا الموضوع ومتميزًا، ملتفتًا إليه تصويبًا وتسديدًا، معتنيًا به ضبطًا ومعيارًا، متخذًا من البرهان دليلا له، ومن الحجة سبيلا، ومن العقل نهجًا ونظامًا، ناهيًا عن المغالطات صناعة وتعمدًا، وعن المماحكات افتعالا وتقصدًا.

 
 
 
 
عدد الزوار : 234785