الأحد 1 ربيع الثاني 1440 هـ   - 09 ديسمبر 2018 م

الجزائر الجديدة، صحيفة يومية، الاثنين 21 محرم 1440هـ/ 1 أكتوبر 2018م، العدد 2998

مالك بن نبي وفكرة التوجيه الجمالي

في سنة 1948م أصدر المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973م), باللغة الفرنسية أحد أشهر مؤلفاته وهو كتاب (شروط النهضة), في هذا الكتاب وعند حديثه عن الإنسان بوصفه العنصر الأول في عناصر تركيب وبناء الحضارة, أشار ابن نبي إلى الثقافة, وقدم نظرية في هذا الشأن, اعتبر فيها أن الثقافة تتألف من أربعة عناصر أساسية وتمامية, العنصر الثاني في هذه العناصر الأربعة أطلق عليه تسمية التوجيه الجمالي.

وعند النظر في مجموع ما تحدث به ابن نبي عن فكرة التوجيه الجمالي, يمكن ضبط وتحديد هذه الفكرة في النقاط الآتية:

أولا: يرى ابن نبي أن الأفكار بصفتها روح الأعمال التي تعبر عنها أو تسير بوحيها, إنما تتولد من الصور المحسة الموجودة في الإطار الاجتماعي, والتي تنعكس في نفس من يعيش فيه, وهنا تصبح صوراً معنوية يصدر عنها تفكيره.

فلا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل, فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالاً أقبح, والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة, لا بد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره وأعماله ومساعيه.

وقد بعثت هذه الملاحظة كل من عنوا بالنفس الاجتماعية من علماء الأخلاق أمثال الغزالي لدراسة الجمال وتقديره في الروح الاجتماعية, ويمكن تلخيص أفكارهم في هذا الصدد في اعتبارهم الإحسان صورة نفسية للجمال. فالبذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد, يجد الإنسان في نفسه نزوعا إلى الإحسان في العمل, وتوخياً للكريم من العادات.

ثانيا: إن الجمال في نظر ابن نبي له أهمية اجتماعية هامة, إذا ما تم عده المنبع الذي تنبع منه الأفكار, وتصدر عنه بواسطة تلك الأفكار أعمال الفرد في المجتمع.

ومن هذه الجهة, فإن أزهد الأعمال له صلة كبرى بالجمال, فالشيء الواحد قد يختلف تأثيره في المجتمع باختلاف صورته التي تنطق بالجمال, أو تنضح بالقبح, وتظهر أثر تلك الصورة في تفكير الإنسان, وفي عمله, وفي السياسة التي يرسمها لنفسه, بل حتى في الحقيبة التي يحمل فيها ملابس سفره.

ومن الواضح عند ابن نبي أننا أصبحنا اليوم نفقد ذوق الجمال, ولو أنه كان موجودا في ثقافتنا لسخرناه إذن لحل مشكلات جزئية, تكوّن في مجموعها جانباً من حياة الإنسان.

ثالثاً: يعتبر ابن نبي أن الإطار الحضاري بكل محتوياته متصل بذوق الجمال, بل إن الجمال هو الإطار الذي تتكون فيه أية حضارة, فينبغي أن نلاحظ في نفوسنا, وأن نتمثل في شوارعنا وبيوتنا مسحة الجمال نفسها, التي يرسمها مخرج رواية في منظر سينمائي أو مسرحي.

ويجب أن يثيرنا أقل نشاز في الأصوات والروائح والألوان, كما يثيرنا منظر مسرحي سيء الأداء, وذلك باعتبار أن الجمال هو وجه الوطن في العالم, فلنحفظ وجهنا لكي نحفظ كرامتنا, ونفرض احترامنا على جيراننا الذي ندين لهم بالاحترام نفسه.

رابعاً: من جهة العلاقة بين المبدأ الأخلاقي والتوجيه الجمالي, يرى ابن نبي أن المبدأ الأخلاقي إذا كان يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات, فإن التوجيه الجمالي هو الذي يصوغ صورته.

ومن هذه الجهة, التفت ابن نبي إلى أحد الفروقات بين العلم والثقافة, فإذا كان العلم تنتهي عمليته عند إنشاء الأشياء وفهمها, فإن الثقافة تستمر في تجميل الأشياء وتحسينها.

وبهذا يعد الذوق الجمالي أحد أهم العناصر الديناميكية في الثقافة, لأنه يحرك الهمم إلى ما هو أبعد من مجرد المصلحة, ويضيف إلى الواقع الأخلاقي عند الفرد دوافع ايجابية أخرى, من شأنها أحياناً أن تعدل من بعض الدوافع السلبية.

خامساً: وجد ابن نبي أن اتجاه الحضارة يتحدد في إطار العلاقة بين المبدأ الأخلاقي والتوجيه الجمالي, وطريقة التراتب بينهما من جهة التقديم والتأخير, فالحياة في مجتمع معين قبل أن تتأثر بالفنون والصناعات, أي بالجانب المادي والاقتصادي من الحضارة, تتخذ لها اتجاهاً عاماً ولوناً شاملاً يجعلون جميع تفاصيلها مرتبطة بالمبدأ الأخلاقي, وبذوق الجمال الشائعين في هذا المجتمع.

وعليه يمكن القول وبصورة عامة, إن هناك نموذجين من المجتمع, نموذجاً يقوم فيه النشاط أساساً على الدوافع الجمالية, ونموذجاً يقوم فيه النشاط على الدوافع الأخلاقية أولاً.

وهذا الاختلاف الأساسي في نظر ابن نبي ليس مجرد اختلاف شكلي, بل إنه يؤدي إلى نتائج تاريخية ذات أهمية كبيرة, يجعل من هذين النموذجين لا يتطوران في اتجاه واحد, بل إنه في بعض الظروف تنشأ بينهما تناقضات جذرية.

وللبرهنة على هذه الفكرة, أشار ابن نبي إلى المثالين الآتيين:

المثال الأول: إن المجتمع الغربي قد مارس من بين فنونه, فن التصوير, وخاصة تصوير المرأة العارية, وذلك بسبب الدافع الجمالي, بينما لا نرى الفن الإسلامي قد خلف آثاراً في التصوير كالذي نشاهده في متاحف الحضارة الغربية, لأن الرادع الأخلاقي في المجتمع الإسلامي لا يطلق العنان للفنان أن يعبر عن كل ألوان الجمال وعلى الخصوص المرأة العارية.

المثال الثاني: إن تطور الملابس في المجتمع الغربي قد انطلق من نقطة معينة, هو إبراز جمال المرأة في الشارع بكل ما يمكن أن يوضح مظهره, بينما نجد أن تطور الملابس في المجتمع الإسلامي قد اتخذ اتجاهاً مخالفاً تماماً, إذ هو يهدف أساساً إلى أن يخفي جمال المرأة في الشارع تغليباً للمبدأ الأخلاقي.

سادساً: يعتقد ابن نبي أن كل ثقافة تتضمن عنصر الجمال, كما تتضمن عنصر الحقيقة, غير أن عبقرية أحداهما تجعل محورها الجمال, بينما الأخرى تفضل أن يكون محورها الحقيقة.

وهذا الاختلاف في نظر ابن نبي يعود إلى الأصول البعيدة, فالثقافة الغربية ورثت ذوق الجمال من التراث اليوناني الروماني, فكان روادها وحملة لوائها زعماء الفن من فيدياس إلى مخائيل أنجلو, ومن هنا لم يكن من محض الصدفة أو لغو الحديث أن مؤرخي النهضة الأوروبية يحددونها بأنها رجوع إلى الحضارة اليونانية الرومانية.

أما الثقافة الإسلامية فقد ورثت الشغف بالحقيقة من بين ميزات الفكر السامي, فكان قادتها أنبياء من إبراهيم إلى محمد عليهما السلام.

وهذا الاختلاف في الأصول البعيدة للحضارتين, له أثر فيما ينتجه الفكر في كل واحدة منهما, ويمتد هذا الأثر إلى مجالات كثيرة, ففي اتجاه الأدب فإن نزعة الفن للفن ظهرت في المجتمعات التي تمنح الأولوية للذوق الجمالي, بينما ظهرت نزعة الأدب الملتزم في المجتمعات التي تقدم الأخلاق بصورة ما على الجمال.

وفي اتجاه السياسة هناك مناهج نزعت إلى تأسيس ديمقراطية تجعل حرية الفرد هدفا لها وذلك بدافع جمالي, بينما هناك مناهج أخرى نزعت إلى ديمقراطية تستهدف سعادة المجتمع وذلك بدافع أخلاقي, وهكذا في اتجاهات أخرى.

هذه لعلها أبرز ملامح وعناصر رؤية ابن نبي لفكرة التوجيه الجمالي, وتصلح هذه الفكرة بعد هذا الضبط والتحديد أن نعطيها صفة النظرية, واعتبار أن مالك بن نبي صاحب نظرية جمالية في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر.

ونحن بأمس الحاجة إلى البحث عن مثل هذه النظريات واكتشافها, وتكوين المعرفة بها, وذلك لتدعيم علاقة الفكر الإسلامي بفكرة الجمال, وتوطيد هذه العلاقة في ساحة المسلمين.

واللافت في الأمر, أن ابن نبي تحدث عن هذه الرؤية في كتابه (شروط النهضة) الصادر سنة 1948م, وأعاد الحديث عنها في كتابه (مشكلة الثقافة) الصادر سنة 1959م, وظل يذكر بها في معظم كتاباته ومحاضراته التي خصصها حول فكرة الثقافة, فقد أشار إليها في محاضرة له حول الثقافة ألقاها في مدينة طرابلس اللبنانية سنة 1959م, ونشرت في كتابه (تأملات) الصادر سنة 1961م, كما أشار إليها في محاضرته حول الثقافة والأزمة الثقافية ألقاها في جامعة دمشق سنة 1972م, ونشرت في كتابه (مجالس دمشق) الصادر سنة 2005م, وهكذا في محاضرات وكتابات أخرى, مع ذلك فإن هذه الرؤية على أهميتها وقيمتها وندرتها لم تلفت الانتباه كثيراً, لا في الكتابات التي تحدثت عن ابن نبي نفسه وفكره ونظرياته, ولا في الكتابات التي تحدثت عن فكرة الجمال في الفكر الإسلامي.

فالكتابات التي تحدثت عن ابن نبي سيرته وفكره, فقد رجعت إلى أكثر من عشرة مؤلفات صدرت في بيروت ودمشق والجزائر والرياض وكوالالمبور, ولمؤلفين جزائريين ومصريين ولبنانيين وسعوديين, رجعت إلى هذه المؤلفات فاحصا عن مدى عناية والتفات مؤليفها لرؤية ابن نبي حول فكرة التوجيه الجمالي, فلم أجد في هذه المؤلفات قدرا لافتا من العناية والاهتمام, وما وجدته كان مجرد إشارات عابرة, واقتباسات عادية من نصوص ابن نبي, من دون التوقف عندها, والتأمل فيها, وربطها بسياق علاقة الفكر الإسلامي بفكرة الجمال ومبحث الجماليات.

وتتأكد هذه الملاحظة, حين العودة إلى قوائم المقالات والدراسات والمؤلفات والرسائل التي كتبت حول ابن نبي, إذ لا نجد في عناوينها عنواناً واحداً يبرز علاقة ابن نبي بفكرة التوجيه الجمالي, أو بفكرة الجمال والجماليات عموماً, أو أثر هذه الفكرة في تطور وتدعيم علاقة الفكر الإسلامي بالجمال والجماليات.

وأما بالنسبة للكتابات التي تحدثت عن فكرة الجمال في الفكر الإسلامي, فهذه الكتابات على قلتها, هي الأخرى لم تلتفت لفكرة التوجيه الجمالي عند ابن نبي, وذلك لأن الكتابات التي تحدثت عنه لم تنهض بهذه المهمة, وهي التي كان يفترض منها أن تنبه هذه الكتابات الإسلامية بهذه الفكرة, وهذا ما لم يحدث.

ولو تنبهت هذه الكتابات الإسلامية الجمالية لفكرة التوجيه الجمالي, لكان من الممكن أن تتغير مسارات هذه الفكرة, وتتبدل منزلتها, وتتكشف قيمتها, وتتصل بالمجال الذي تتبادل معه التفاعل والتأثير, وهذا ما نقص هذه الفكرة فعلا.

والغريب في الأمر, أن الذين التفتوا لهذه الفكرة هم أولئك الذين حاولوا توجيه النقد السلبي لمالك بن نبي, فقد وجد هؤلاء في فكرة التوجيه الجمالي شاهدا في نظرهم, على تأثر ابن نبي بالثقافة الأوروبية التي تعلي من شأن الجمال وتقدسه.

وهذا ما كان يفتش عنه هؤلاء الذين كانوا في خصومة فكرية مع ابن نبي, وحاولوا توجيه النقد إليه, وتصوير أنه كان متأثرا بالثقافة الأوروبية التي عاش في بيئتها ومجتمعها, ودرس وتعلم في محيطها فترة من الزمن تقدر بربع القرن, وهي الفترة الممتدة ما بين (1930-1956م).

ومن وجه هذا الرأي صحيح, لكن من غير الوجه الذي تحدث عنه هؤلاء وسياقهم التوظيفي والنقدي, صحيح بمعنى أن ابن نبي تنبه لفكرة التوجيه الجمالي حينما كان في باريس, ولو كان في الجزائر لما تنبه على ما يبدو لهذه الفكرة, وبهذا النمط الذي تحدث عنه.

وأما من جهة المحتوى والمضمون, فإن حديث ابن نبي عن فكرة الجمال والتوجيه الجمالي لم يخرج عن نسق الإطار الفكري الإسلامي.

ليس هذا فحسب, بل إن ابن نبي استعمل هذه الفكرة في نقد الغرب والثقافة الغربية, وبشكل يقطع على الآخرين توجيه الاتهام إليه من هذه الجهة, وأنه كان متأثرا بالثقافة الأوروبية, أو بالحياة الأوروبية.

وما نخلص إليه, أن انقطاع الفكر الإسلامي عن علم الجمال ومبحث الجماليات, أو عدم العناية والاهتمام بهذا العلم, أسهم بدرجة كبيرة في عدم الالتفات لفكرة التوجيه الجمالي عند مالك بن نبي, وفي تقدير هذه الفكرة, والكشف عن قيمتها, ومدى الحاجة إليها.

ومن جهة أخرى, فإن الحاجة لاستعادة الاهتمام بعلم الجمال ومبحث الجماليات في ساحة الفكر الإسلامي المعاصر, يستدعي تجديد النظر لفكرة مالك بن نبي في التوجيه الجمالي, والعناية بهذه الفكرة لتدعيم وتطوير العلاقة بهذا العلم.

 
 
 
 
عدد الزوار : 184884