الخميس 8 صفر 1440 هـ   - 18 اكتوبر 2018 م

الحوار- السعودية، مجلة فكرية ثقافية فصلية، العدد 31، شوال 1439هـ/ يوليو 2018م

مفارقات في مسألة التسامح

عندما انشغلت بدراسة مفهوم التسامح، استوقفت انتباهي أربعة مفارقات لها وضعيات وسياقات مختلفة ومتنوعة، وهي:

أولا: عرفت الشريعة الإسلامية بوصف الشريعة السمحة، الوصف الذي تردد على نطاق واسع في مجالنا التداولي العربي والإسلامي، الديني وحتى الأدبي والثقافي والتاريخي، واستنادا إلى هذا الوصف رأى علامة تونس الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1296-1393هـ/1879-1973م) في كتابه الشهير (مقاصد الشريعة الإسلامية) الصادر سنة 1946م، أن السماحة هي أولى أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها.

وتأكد هذا الوصف وتعززت قيمته الفكرية والأخلاقية حين ارتبط بتكوين المعرفة بالشريعة وتلازم معها، فأصبح يقال عن عالم الشريعة صاحب السماحة، فكما أن السماحة هي أولى أوصاف الشريعة، فإنها كذلك أولى أوصاف عالم الشريعة.

كان المفترض من هذا الوصف، أن يقربنا من مفهوم التسامح قربا شديدا وعميقا لا ينفك ولا ينقطع، لأننا نقف على تخومه بل في قلبه ومركزه، مع ذلك فإننا قد تعرفنا على وصف السماحة، وثبتنا هذا الوصف للشريعة وللعالم بها، لكننا لم نتعرف بالقدر نفسه على مفهوم التسامح، وهذه مفارقة إشكالية.

 في حين أن التسامح في حقيقته هو فعل متولد من السماحة، ومتى ما وجدت السماحة وجد التسامح.

ثانيا: في مطلع القرن العشرين حصلت في مصر مناظرة فكرية شهيرة بين مفتي الديار المصرية آنذاك الشيخ محمد عبده (1266-1323هـ/1849-1905م)، والناقد اللبناني المسيحي فرح أنطون (1291-1340هـ/1874-1922م)، كان مدارها حول مفهوم التسامح في الإسلام والمسيحية.

وقد أنطلقت هذه المناظرة عندما نشر فرح أنطون على حلقات دراسة موسعة حول فلسفة ابن رشد (520-595هـ/1126-1298م)، جمعها لاحقا في كتاب صدر في الإسكندرية سنة 1903م بعنوان (ابن رشد وفلسفته)، في هذه الدراسة قدم أنطون قراءة إشكالية ومثيرة حول ابن رشد، ونسب فلسفته إلى المذهب المادي وقاعدته العلم، وتطرق إلى علاقة المسيحية والإسلام بفكرة التسامح، وتوصل إلى أن المسيحية كانت أكثر تسامحا من الإسلام، وما التمدن الحديث الذي حصل في أوروبا في نظره إلا ثمرة يانعة لذلك التسامح.

في هذه المناظرة قدم الشيخ محمد عبده جهدا تأسيسيا مهما ولامعا لفكرة التسامح في الإسلام، جهدا أثبت وبرهن على أن فكرة التسامح ليست فكرة غائبة أو طارئة أو بعيدة ولا حتى ثانوية أو هامشية في الإسلام، وإنما هي من صميمه وتتصل بطبيعته وأصوله، وتسري في روحه، ومن ثم فهي فكرة ظاهرة ومتولدة وليست بحاجة إلى استظهار من خفاء، واكتشاف من عدم.

وهناك من وصف هذه المناظرة بالمعركة الفكرية، وهذا يعني أن القرن العشرين في مجالنا العربي بدأ بمعركة فكرية حول التسامح، وبعبارة أخرى لقد استقبلنا القرن العشرين بمعركة فكرية حول التسامح.

لهذا كان المفترض أن يتشكل بتأثير هذه المعركة الفكرية، إدراكا مبكرا بمفهوم التسامح في المجال العربي، إدراكا يضع هذا المفهوم في دائرة الاهتمام الفكري المتصل والمتراكم، أو لا أقل يجنبه وضعية التوقف والانقطاع.

وهذا ما لم يحدث، فقد مرت علينا هذه المناظرة، ودائما ما وصفت بالمناظرة الشهيرة، لكنها مرت وعبرت ولم تترك أثرا حقيقيا في تحفيز إدراكنا بمفهوم التسامح. ويكفي للدلالة على ذلك أن جميع المحاولات التالية التي تحدثت عن مفهوم التسامح، والممتدة زمنا إلى نهاية القرن العشرين لم تأت على ذكر محاولة الشيخ محمد عبده وحديثه عن التسامح في معركته الفكرية الشهيرة، وهذه مفارقة إشكالية.

ومع مطلع القرن الحادي والعشرين تجدد الحديث عن التسامح، وظهر وكأنه يحدث لأول مرة، وكأننا لم نتعرف عليه من قبل، قبل قرن من الزمان، وكأن معرفتنا بهذا المفهوم قد توقفت، وذاكرتنا به قد نسيت، وخبرتنا معه قد محيت، وهذه كذلك مفارقة إشكالية.

ثالثا: تكون انطباع عند البعض في المجال العربي، تحدد في اعتبار أن التسامح هو مفهوم غربي نشأة وابتكارا وتطورا، فقد ظهر في القرن السابع عشر الميلادي مع الفيلسوف الإنجليزي جوك لوك (1632-1704م) وكتابه الوجيز (رسالة في التسامح) الصادر سنة 1689م  وبقي هذا المفهوم ممتدا ومتراكما ومتجددا هناك حتى وصل إلينا، وبهذه الصفة تعرفنا عليه، وهذه كذلك مفارقة إشكالية.

هذا الانطباع لا يمكن التسليم به، والركون إليه، فالتسامح ليس مفهوما غربيا ينتمي إلى المجال الأوروبي، ويتحدد بفضائه وتاريخه وثقافته وتراثه، كما ظن البعض خطأ أو سهوا، وإنما هو مفهوم إسلامي ثابت وأصيل، عرفت به الشريعة الإسلامية، ووصفت بالشريعة السمحة، وظلت متلازمة بهذا الوصف البديع.

رابعا: مع التداول الواسع لمفهوم التسامح ظهرت في المجال العربي بعض الأصوات الداعية إلى التخلي عن هذا المفهوم، واستبداله بمفاهيم أخرى تحل مكانه، وتتمثل حكمته، وتقوم بوظيفته، وذلك استنادا إلى تصورات بعضها يرى أن التسامح يتسم بحالة من التعالي والترفع والفوقية، وأنه يأتي من باب التفضل والإحسان والامتنان، وبعضها يرى أن التسامح يستبطن نوعا من التراتبية واللامساواة، إلى جانب من يرى فيه ميلا إلى الضعف والتراخي في زمن تسوده القوة، ويصعد فيه الأقوياء، وهذه كذلك مفارقة إشكالية.

هذا الموقف بهذه التصورات لا أراه صائبا، فلا ينبغي التخلي عن مفهوم التسامح، بل لا بد من التمسك به بوصفه مفهوما خلاقا ونبيلا تتجلى فيه نزعات الخير، وجمالية الروح، وعظمة الضمير.

 

 
 
 
 
عدد الزوار : 182291