الخميس 8 صفر 1440 هـ   - 18 اكتوبر 2018 م

الحوار – الجزائر، الأربعاء 19 ذو القعدة 1439هـ/ 1 أغسطس 2018م، العدد 3463

حوار الأديان.. تجارب وأنماط

عند النظر في تجارب حوارات الأديان خلال الفترة الممتدة من القرن الماضي إلى اليوم، يمكن القول إنها تحددت في ثلاثة أنماط أساسية، كل نمط له طابعه الخاص المميز له، وله حكمته وفلسفته الموجهة والناظمة لنشاطه، وهذه الأنماط الثلاثة هي:

النمط الأول: تجارب الحوارات الداخلية والخاصة، التي تحددت في نطاق فئات معينة، كانت غالبا من رجالات الدين ومن المهتمين بالدراسات والمناظرات الكلامية واللاهوتية، وغلب على هذا النمط من الحوارات، المناقشات الفكرية والعلمية المركزة والمعمقة، وتناولت القضايا والمسائل المختلف والمتنازع عليها، بقصد بيان وتبيان كل طرف لآرائه ومواقفه، في أجواء تتسم عادة بالنقاشات الحرة والصريحة، على طريقة ما يحصل بين المتخصصين في اللقاءات الخاصة والمغلقة، كالتي جرت وتجري بين المسلمين والمسيحيين في المجامع العلمية.

النمط الثاني: تجارب الحوارات التي حاولت البحث عن المشتركات العامة بين الأديان، والكشف عن مواطن اللقاء، وتغليب عناصر الاتفاق، وتجنب الخوض في المسائل الخلافية، وخاصة المسائل الكلامية واللاهوتية التي تتفرد بها الأديان وتتباين وتختلف، ولا يقبل عادة المس بها، أو التنكر لها، وحتى الجدل والمحاججة فيها، حفاظا لها وتنزيها، حسب منظورات أهل هذه الأديان.

واختيار هذا النمط من الحوارات، جاء في العموم مستندا إلى أمرين، الأول له علاقة بالدين بصورة عامة، والثاني له علاقة بالمنهج.

بشأن الأمر الأول الذي له علاقة بالدين، وجد أهل الأديان أن الدين من جهة يمثل إطارا جامعا لهم، وأنهم يتخذون منه وصفا وتوصيفا لهم، إذ يطلقون على أنفسهم أهل الأديان أو أتباع الأديان، ومن جهة أخرى يرى هؤلاء أن الدين في العالم المعاصر، بات يتعرض إلى مخاطر وتحديات تستهدف عزله أو تقويضه أو الحد من تأثيره في الحياة المعاصر، وفي المجال العمومي، الوضع الذي أشعر أهل هذه الأديان بضرورة الدفاع عن الدين، والعمل على حمايته، والمحافظة على وجوده وبقائه، بالشكل الذي أسهم في إيجاد حالة من التقارب بين أهل هذه الأديان، وتعزيز التضامن بينهم.

وبشأن الأمر الثاني الذي له علاقة بالمنهج، وجد أهل الأديان أن البحث عن المشتركات العامة، وتجنب الخوض في القضايا الخلافية، والابتعاد عن المسائل الكلامية واللاهوتية، هو المنهج الأصوب لنجاح هذا النمط من الحوارات، وبقائه وتقدمه.

ومن أهم المشتركات التي تحددت في نظر أهل هذه الأديان، الدفاع عن الدين ونظام القيم والأخلاق، مواجهة الاتجاهات الإلحادية والمادية المعادية للدين، رفض النزعات العلمانية المتشددة المشككة في الدين، حماية مؤسسة الأسرة، رفض الزواج بين النوع الواحد بوصفه تهديما لمؤسسة الأسرة، وكونه مخالفا للفطرة وللنظام الطبيعي في حياة البشر، إلى جانب منع الإجهاض، والتصدي للسلوكيات العبثية والعدمية والفوضوية، والدفاع عن مبادئ المساواة والحريات وحقوق الإنسان، وغيرها من القضايا الأخرى الدينية والاجتماعية والاقتصادية، التي تقع في طريق البحث عن المشتركات العامة.

ولا شك في أهمية هذه القضايا وحيويتها، وأنها تستحق فعلا النظر فيها، والبحث عنها، والاتفاق عليها، وجعلها في منزلة المشتركات العامة بين أهل الأديان، ويصدق على هذا النمط من الحوارات أغلب التجارب المعاصرة في هذا المجال.

النمط الثالث: تجارب الحوارات التي رجحت الاهتمام بقضايا الشأن العام، وحاولت تكوين رؤى متنوعة ومتعددة، متآلفة ومختلفة، حول هذه القضايا بحسب منظورات أهل هذه الأديان، وعلى أساس مناهجهم في الاجتهاد والنظر، وقواعدهم في البحث والتفكير، رغبة في التعرف على هذه الرؤى والتعارف معها، وسعيا نحو الشراكة في التصدي لقضايا الشأن العام.

وجاء هذا النمط من الحوارات، في سياق تغليب الطابع العملي على الطابع النظري، وتحويل الاهتمام من القضايا الفكرية إلى القضايا الموضوعية، وجعل هذه الحوارات وثيقة الصلة بالحياة العامة، ومن أجل إعطاء هذه الحوارات حالة من الحيوية والدينامية من خلال ربطها بالمجال العمومي.

 

 
 
 
 
عدد الزوار : 182291