الأحد 26 رمضان 1431 هـ   - 05 سبتمبر 2010 م

عكاظ ـ الخميس 19 رجب 1431هـ / 1 يوليو 2010م, العدد 16014

مصطفى عبد الرازق ومدرسته الفكرية في مصر (2)

أشرت في المقالة السابقة إلى أن هناك ثلاثة عوامل متعاضدة, هي التي عززت القيمة الفكرية والفلسفية لتجربة الشيخ مصطفى عبد الرازق في مصر, وهي التي تؤكد على أهمية التواصل والانفتاح على هذه التجربة, وجعلها من الروافد المعرفية التي نستعين بها في تجديد وتحديث ثقافتنا الراهنة.

 وتطرقت في تلك المقالة إلى العامل الأول, وبقي الحديث عن العاملين الثاني والثالث, وسوف أتحدث هنا عن العامل الثاني الذي يتحدد في التأثير العميق الذي تركه الشيخ عبد الرازق في مجموعة متميزة من طلبته, الذين أصبحوا فيما بعد من صفوة أساتذة الفلسفة والفلسفة الإسلامية في الجامعات المصرية وبعض الجامعات العربية, وعدوا من أبرز المشتغلين بالدراسات الفلسفية تصنيفاً وتحقيقاً وترجمة ونشراً, في مختلف ميادين الفلسفة والفلسفة الإسلامية.

وهذه الملاحظة من أكثر الملاحظات التي استوقفت انتباه الدارسين لسيرة وتجربة الشيخ عبد الرازق, وذلك لشدة وضوحها وظهورها, وتواتر الحديث عنها من القريبين والبعيدين أساتذة وتلامذة.

وليس هناك من اقترب أو تطرق لسيرة الشيخ عبد الرازق, وتجربته الفكرية, ولم يلتفت إلى هذه الملاحظة بصورة من الصور, وبغض النظر عن كيفية فهمها وتفسيرها وتحليلها, وذلك لأنها واحدة من أكثر نجاحات الشيخ عبد الرازق التي عرف وتفوق بها على كثير من زملائه وأقرانه ورجالات جيله.

ولهذا يعد الشيخ عبد الرازق أحد أكثر الأساتذة نجاحاً وتفوقا في مجال التعليم الجامعي, وهذه الملاحظة تلفت النظر إلى طريقته في التعليم, وإلى أسلوبه في التعامل مع طلبته وتلامذته الذين جعلهم يتعلقون به حتى بعد أن أصبحوا أساتذة وأساتذة كبار, ويتذكرون فضله عليهم, وفاء ومعروفاً له.

وحين يشرح الكاتب المصري حسين أحمد أمين طريقة الشيخ عبد الرازق في التعليم يقول: كان لهذا الشيخ الأزهري المعمم أسلوب خاص في التعليم الجامعي, لا يكاد ينهجه غيره من الأساتذة في مصر, فالتعليم عنده لم يكن مجرد إلقاء الدرس على الطلاب وتلقينهم إياه, ولكنه عبارة عن صلة عقلية ينشئها بينه وبين طلابه. فهو يشركهم معه في بحث المواضيع واستخراجها من مظانها, وفي مناقشته المسائل وفهم النصوص وتحرير الآراء. وهو في كل ذلك يراجعهم ويراجعونه, ويعينهم ويعينونه. كلهم لكلهم أساتذة, وكلهم لكلهم طلاب! وهكذا يصير درسه عبارة عن مجتمع تتقارب فيه الأرواح وتتآلف النفوس, وتنبت في جنباته عواطف الصدق والإخلاص, وبهذا المنهج الجامعي كان يربي طلبة يحبهم ويحبونه, وينشأون على ما عودهم إياه من سنن العلماء وآدابهم.

وعن علاقته بطلبته وتلامذته يقول عنه الدكتور إبراهيم مدكور رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة إنه قد اتسع قلبه لتلاميذه, وشملهم جميعاً برعايته, فكان يلقاهم في درسه وبيته, ويستمع إليهم في العلم وشؤون الحياة, وكانوا يسرون إليه بما يشغلهم, ويعرضون عليه مشاكلهم, ولم يكن يدخر وسعاً في معونتهم والأخذ بيدهم, فكان منهم بمثابة الأب من أبنائه, أو شيخ الطريقة من مريديه, وتلك هي القيادة الروحية التي تنقصنا, وما أحوجنا إليها.

ومن هذه الجهة يرى الدكتور طه حسين أن هناك ثلاث خصال لازمت الشيخ عبد الرازق طيلة حياته, وهي: أنه لا يعرف محباً لطلب العلم مخلصاً في هذا الحب إلا سعى إليه واتصل به وقربه منه وفتح له قلبه وعقله وداره أيضاً, وإذا كان حب العلم وطلابه المخلصين هو الخصلة الأولى من الخصال التي لازمته حياته كلها, فخصلة الوفاء هي الخصلة الثانية من خصاله, والبر بطلاب العلم خاصة وبكل من كان يحتاج إلى البر عامة كان الخصلة الثالثة من خصاله.

 
 
 
 
عدد الزوار : 38578