حوار حول مفهوم الآخر, وعلاقة الإسلام بالآخر
زكي الميلاد مفكر إسلامي وإنساني من المملكة العربية السعودية, يمتاز بعمق اهتماماته في المواضيع الحضارية, كان وما زال داعياً إلى الحوار الإسلامي ـ الإسلامي, والتقريب بين المذاهب الإسلامية, وطالما تحدث وكتب عن التواصل والانفتاح ونقد القطيعة والانغلاق في المجال العام, وطرح فكرة (تعارف الحضارات) في مجال العلاقة بين الحضارات, وهذه الفكرة اليوم تعد النظرية الثالثة في مقابل نظرية صدام الحضارات وحوار الحضارات.
مجلة (العصر) التقته وحاورته حول الآخر والعلاقة معه, فكان هذا الحوار:
هذه المقولة هي من روائع كلمات الإمام علي (عليه السلام), والتي تتجلى فيها النزعة الإنسانية الخلاقة, وينبض فيها روح التواصل الإنساني والأخلاقي على مستوى الناس كافة, وتجعل الناس ينظرون لأنفسهم من خلال رابطتين لا ثالث لهما, أو كما يقال في المنطق والثالث مرفوع, وهما رابطتا يسمو بهما الإنسان, رابطة الاشتراك في الدين, ورابطة الاشتراك في الخلق.
والحكمة البالغة في هذه المقولة, هي أن رابطة الاشتراك في الدين, لا تلغي رابطة الاشتراك في الخلق, ولم تأت رابطة الاشتراك في الدين, لإلغاء رابطة الاشتراك في الخلق, وإنما جاءت لكي تفتح وعي الإنسان على هذه الرابطة الإنسانية, وتجعل منها منظوراً له في رؤية العالم.
وهذه الرؤية, هي بخلاف تلك الأفكار والتصورات التي أخذت تنبعث اليوم, وتصور أن الدين يحرض على القطيعة والانغلاق عن الآخر المختلف في العقيدة والدين.
وبالتالي فإن هذه المقولة للإمام علي (عليه السلام) ليست بمثابة تعريف للآخر, وإنما جاءت لكي ترتفع بالنظرة إلى الإنسان بعيداً عن مفهوم الآخر.
في نظرة الإسلام إلى الآخر, يمكن القول أن ليس هناك من يمكن وصفه أو نعته بالآخر, فالآخر ليس موجوداً في طبيعة التصور الإسلامي, ولا ينتج التصور الإسلامي مفهوماً يعطي معنى الآخر, فالإسلام هو خطاب وبلاغ إلى الناس كافة, وفي كل الأزمنة والعصور, وينظر لهؤلاء الناس جميعاً إما بوصفهم أخاً لك في الدين, أو نظيراً لك في الخلق.
إشكالية العلاقة مع الآخر تنشأ بسبب حالات الجهل والانغلاق والقطيعة, وما يترتب على ذلك من انسداد لآفاق التعارف والانفتاح والتواصل, ومن ثم العمل على تكوين صورة نمطية عن الآخر تكون جاهزة للتعميم والتدوال في المجال الاجتماعي العام, بحيث تكرس الكراهية والتباعد, وتنمي مسببات الإلغاء والإقصاء.
ومثل هذه الصورة النمطية الحادة والقاسية, عادة لا تنشأ ولا تتشكل إلا في ظروف القطيعة والانغلاق, وبإمكان هذه الصور النمطية أن تنحل وتنكمش في ظروف الانفتاح والتواصل. وكثيراً ما يحدث أن تتبدل المواقف والأحكام في حالات الانتقال والعبور من القطيعة إلى التواصل, ومن الانغلاق إلى الانفتاح, وعادة ما يصرح الناس في مثل هذه الحالات عن مفاجأتهم وتخطئة أحكامهم واستدلالاتهم ومواقفهم السابقة, وكيف أنها كانت تفتقد إلى التّبين والتريث والصواب.
أئمة أهل البيت (عليهم السلام), كانوا من المصاديق الحية لعناوين التسامح والصفح والحلم والعدل والحوار, ونبذ التعصب والتشدد والكراهية والتطرف. وقد عرف عنهم عليهم السلام أنهم لا يمتنعون عن الحوار أبداً مع أي كان, وحول مختلف القضايا والمسائل مهما كانت نوعيتها وطبيعتها, ويتورعون عن إطلاق الأوصاف والتسميات التي تجرح الناس, وتخرجهم عن الملة والدين. فعندما سئل الإمام علي (عليه السلام) عن أهل الجمل ـ الذين خرجوا عليه, قيل أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا. قيل أمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا, قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا.
بالنسبة إلى الآخر القريب, على فرض أن هناك شيء أسمه الآخر القريب أو البعيد, علينا أن نعلم أن الخطاب الذي يلغي الآخر ليس باستطاعته بالتأكيد أن يبني وحدة وطنية, ويشكل نسيجاً مجتمعياً متماسكاً, أو يصنع أمة متمدنة, ومتفاعلة مع العالم, مندمجة في المجتمع الدولي, مواكبة لروح العصر, ومتواصلة مع المعرفة الإنسانية.
وبالنسبة إلى الآخر البعيد علينا أن نعلم أن صورة العلاقة مع الآخر قد تغيرت اليوم, ولم يعد الآخر ذلك الذي نستطيع أن نفصل أنفسنا عنه, ونضع بيننا وبينه حواجز ومسافات. فقد أصبح هذا الذي نصطلح عليه بالآخر حاضراً معنا, وفاعلاً ومؤثراً في حياتنا ومحيطنا وبيئتنا, في ظل عالم شديد الترابط والتداخل والتفاعل, كما لو أنه في صورة قرية كونية تتصاغر باستمرار, وهذه هي الصورة الافتراضية التي جاءت العولمة للإعلان عنها, والتبشير بها.
لا يكفي أن نحدد كيف ننظر إلى الآخر ونتعامل معه, بل لابد أن ندرك كيف ينظر الآخر إلينا ويتعامل معنا. فنظرتنا إلى الآخر تؤثر في طبيعة نظرة الآخر إلينا, كما أن نظرتنا إلى أنفسنا هي الأخرى تؤثر في طبيعة نظرة الآخر إلينا. وبقدر ما نحن بحاجة إلى تصحيح نظرة الآخر إلينا, بقدر ما نحن بحاجة أيضاً إلى تصحيح نظرتنا إلى الآخر.
هذه هي القراءة الفعالة والمؤثرة في تصحيح العلاقة والصورة بين الذات والآخر, أما القراءة الأحادية, والتي تكون من طرف واحد, فإنها لا تستطيع أن تصل إلى ذلك الآخر وتؤثر في قراءته, وتبني جسور التعارف والتواصل معه.
ابتداء لا أريد أن أزكي نفسي, لكن أظن أنني ساهمت في بلورة خطاب لا ينزع نحو الكراهية والنزاع والصدام مع الآخر المختلف على الإطلاق, وقد كنت وما أزال داعياً إلى الوحدة الإسلامية والحوار الإسلامي ـ الإسلامي, والتقريب بين المذاهب الإسلامية في المجال الإسلامي, وطالما تحدثت وكتبت عن التواصل والانفتاح ونقد القطيعة والانغلاق في المجال العام, وطرحت فكرة تعارف الحضارات في مجال العلاقة بين الحضارات, وهذه الفكرة هي اليوم تعد النظرية الثالثة في مقابل نظرية صدام الحضارات, وحوار الحضارات.
وبقيت أتواصل مع الجميع, على قاعدة اكتشاف الجميع, من أجل الجميع, لبناء مستقبل الجميع.
من الممكن الاتفاق مع هذا القول, فالأزمة والتأزم صاحبت الدولة في المجال العربي الحديث منذ نشأتها وتكونها في النصف الثاني من القرن العشرين, فلم تمثل هذه الدولة منذ ولادتها دولة الأمة المعبرة عن جميع مكونات التعدد والتنوع المجتمعي, والحاضنة والحامية لهذا التعدد والتنوع المجتمعي, بقدر ما كانت تتهم بالتحيز لفئة معينة, على حساب باقي الفئات الأخرى.
ومع غياب الديموقراطية انعدمت إمكانية تكافؤ الفرص في التعبير عن الرأي, ومع غياب العدالة السياسية انقطعت فرص الحوار والتواصل بين مكونات التعدد المجتمعي, ومع غياب سلطة القانون وقع الضرر على الجميع.
لذلك فإن السلطة في المجال العربي بحاجة إلى أن تدخل في مصالحة مع الأمة, لتكون دولة لجميع الموطنين بكل تنوعاتهم المجتمعية, لا دولة لفئة من المواطنين.
في مقابل هذا الرأي, يجادل الإسلاميون من جهتهم أيضاً, أنهم كانوا في العقود السابقة منذ الخمسينات إلى ثمانينات القرن الماضي, الطرف الذي كان يمارس عليه سياسة الإلغاء والإقصاء من باقي التيارات الأخرى.
كما أن هذا التعميم ليس صائباً على الإطلاق, في وصف التيارات الإسلامية بأنها من أكثر التيارات في عدم قبول الآخر, والصواب أن هناك تياراً يصنف على التيارات الإسلامية هو الأكثر حدية ورفضاً في التعامل مع الآخر ورفضه.
وأما مصطلح الإسلام الليبرالي, فهو من المصطلحات الملتبسة, كغيره من المصطلحات الأخرى, التي تنتمي إلى هذا النسق من المصطلحات والتسميات.
ومن جهتي لا أميل لهذا النمط من المصطلحات, التي تفتقد الوضوح والتماسك, وليست لها هوية واضحة ومحددة.
فهناك من فهم خطأ بأن اهتمام بعض الإسلاميين بالحديث عن الديموقراطية, والتعددية, والحداثة, وحقوق الإنسان, والحقوق السياسية للمرأة, بحيث يمكن تصنيف هؤلاء على الإسلام الليبرالي, باعتبار أن هذه القضايا والمسائل هي من اهتمامات الفكر الليبرالي, وهذا تفسير أيديولوجي خاطئ.