الأربعاء 29 رمضان 1431 هـ   - 08 سبتمبر 2010 م

موقع الشهاب للإعلام, 31 أغسطس 2007م.

 

حوار مع موقع الشهاب للإعلام

حول مفهوم المثقف, وعصر الإصلاح, وتعارف الحضارات

 

  • أجرى الحوار: الأستاذ أحمد زقاوة

زكي الميلاد واحد من الكتاب المعاصرين المبدعين, وهو رئيس تحرير مجلة الكلمة الفصلية الفكرية الصادرة ببيروت, باحث مجدد في الفكر الإسلامي المعاصر, صدر له مجموعة من الكتب تعالج مشكلات الفكر الإسلامي العالقة أهمها: محنة المثقف الديني مع العصر, من التراث إلى الاجتهاد: الفكر الإسلامي وقضايا الإصلاح والتجديد, المسألة الحضارية, تجديد التفكير الديني في مسألة المرأة, مالك بن نبي ومشكلات الحضارة, الإسلام والغرب: الحاضر والمستقبل, تعارف الحضارات, الحركة الإسلامية ومعالم المنهج الحضاري.

يدور هذا الحوار حول مجالات متعددة ومتداخلة تخص الثقافة وهموم المثقف, ومفهوم الإصلاح, ونسق التغيير, كما يتطرق إلى مكانة مالك بن نبي في مسيرة الفكر الإسلامي المعاصر.

 

  •         تتركز اهتماماتكم حول المسالة الثقافية وتجلياتها, فما هو موقع الثقافة في مشروع النهضة؟

الثقافة لها دور مركزي في مشروعات النهضة, وهذا الدور يتصف بالثبات والاطراد في جميع الأزمنة والعصور, وبين مختلف الثقافات والمجتمعات, ومع كل الأطوار والمراحل التي تمر بها صور العلاقة بين الثقافة والنهضة, وبين الثقافة والمجتمع, بحيث لا يمكن أن نتخيل نهضة بدون ثقافة أو دور للثقافة, والنهضة أساساً هي من تجليات الثقافة, وهي فعل ثقافي في أساسها, وتعبير عن حركة الثقافة في المجتمع.

ولهذا نجد أن النهضات تعرف بمفكريها وفلاسفتها وعلمائها ومثقفيها, فالنهضة اليونانية في العصر القديم عرفت بسقراط وأفلاطون وأرسطو, والنهضة الإسلامية في العصر الوسيط عرفت بطبقات العلماء والفقهاء والفلاسفة, والنهضة الأوروبية في العصر الحديث عرفت بديكارت وكانت وبيكون وشريحة كبيرة من الفلاسفة والمفكرين هناك, وهكذا على مستوى الأمم والمجتمعات.

فمن جهة أن الثقافة هي التي تبعث روح النهضة في الأمة, ولا تنهض الأمم إلا بعد أن تسري فيها هذه الروح, ومن جهة أخرى أن الثقافة تلعب دور البصيرة في عملية النهضة, فهي التي ترسم الطريق, وتصنع الرؤية, وتحدد الاتجاه, ومن هنا تكمن خطورة الثقافة وأهميتها الفائقة.

ويكفي دلالة على ذلك أن يبدأ القرآن الكريم نزوله بكلمة (اقرأ) وهذا أقوى برهان على أهمية وفاعلية الثقافة, فهذه الكلمة التي جاءت لنفي الجهل بكافة صوره وأنماطه, صنعت روحا جديدة في الأمة كما قال مالك بن نبي, ما كان بإمكان المجتمع المسلم أن ينهض بدونها.

 

  •         من وجهة نظرك كباحث في الفكر الإسلامي هل يمكن الحديث عن مثقف إسلامي وما هي محدداته المعرفية؟

لعل هذا السؤال يفتح جملة من الإشكاليات التي بحاجة إلى التوقف عندها والنظر فيها, بحثاً وتحليلاً عن طبيعة المحددات المعرفية لمفهوم المثقف والمثقف الإسلامي أو المثقف في المجال الإسلامي.

أولى هذه الإشكاليات تتحدد في علاقة المثقف بالهوية, فهل المثقف في طبيعة المحددات المعرفية, له هوية ينتسب إليها ويعرف بها, ويفكر من خلالها وبواسطتها, ويتقيد بشروطها, ويلتزم بقيودها, ويخضع لإكراهاتها؟

أم أن المثقف في طبيعة المحددات المعرفية, هو من يتعالى على الهوية, ويتخلص منها, ويضعها في ورائه, ويمارس نقده عليها ليتحرر من سطوتها وسلطتها, ليكون حراً ومتحرراً وشجاعاً في التعبير عن أفكاره ومواقفه ووجهات نظره بدون قيد أو شرط؟

وبمنطق الجدل, هل بإمكان المثقف أن يكون بلا هوية؟ وهل هناك مثقف بلا هوية فعلاً وحقيقة؟ لأن من الممكن القول أن ادعاء المثقف بأنه بلا هوية, هذا الادعاء هو بمثابة هوية أو صورة من صور الهوية, فالنفي والإثبات في الهوية هو هوية, وكما قيل عن الأيديولوجيا أن نهاية الأيديولوجية, هي أيديولوجية ولكن بصياغة أخرى.

وأمام هذه الإشكالية يمكن القول, أن المثقف المسلم أو الإسلامي هو مثقف يختلف عن غيره في أنه يكاشف بهويته, ويعرف بها, ويقدم نفسه من خلالها, ولا أحد يستطيع أن يسلب منه وصف المثقف, وأنه لا يرى في الهوية عبئاً أو عيباً, ولا عائقاً أو معضلة.

الإشكالية الأخرى, هل المثقف هو من يكون على صورة المثقف الأوروبي الحديث؟ ولا يفارق هذه الصورة, ومن يفارقها يسلب منه وصف المثقف أو وصف المثقف الحقيقي, أو المثقف الحديث؟

وبالتالي فإن المثقف هو علماني بالطبع والطبيعة, ولا يكون إلا علمانياً كما صور ذلك إدوارد سعيد في كتابه (صور المثقف)! وكأن الدين يمنع الإنسان من أن يكون مثقفاً؟ وهذا ما حاولت نقده ودحضه في كتابي (محنة المثقف الديني مع العصر), فالدين الذي جعل من العلم فريضة, ومن العقل حجة, ومن التفكر عبادة, ومن البرهان سبيلاً, ومن السير في الأرض عبرة واعتباراً, هذا الدين لا يمكن أن يمنع الإنسان من أن يكون مثقفاً!

وأمام هذه الإشكالية يمكن القول, أن المثقف المسلم أو الإسلامي هو مثقف يفارق صورة المثقف الأوروبي العلماني, ولا يطابق نفسه مع هذه الصورة, ويأبى ويرفض أن يسلب منه وصف المثقف.

الإشكالية الثالثة, هل المثقف هو نمط حديث ظهر مع الحضارة الأوروبية الحديثة, ولم تعرفه الحضارات والمجتمعات السابقة, كما تساءل الدكتور محمد أركون؟ وبتساؤل الدكتور محمد عابد الجابري هل ظهر في الحضارة الإسلامية ما يمكن وصفه بالمثقف والمثقفين؟

وقد اعترف كل من أركون والجابري بوجود مثل هذه الشريحة أو الطبقة من المثقفين, أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون وغيرهم كثيرون, وبالتالي من الممكن الحديث عن مثقف إسلامي وهو المثقف الذي ينتمي إلى المجال الإسلامي أو الحضارة الإسلامية أو الثقافة الإسلامية.

 

  •    يعرف إيمانويل كانط الأنوار بقوله (هي خروج الإنسان من حالة القصور التي هو عليها, بخطأ منه, بسبب انعدام القدرة لديه على استعمال عقله دون توجيه من الغير, ولا يرجع هذا القصور إلى عيب في العقل, ولكن إلى الافتقار في التصميم وإلى الشجاعة في استغلاله دون توجيه ودون وصاية, تشجع على استعمال عقلك, هذا هو شعار الأنوار), إذا كان استعمال العقل هو جوهر التنوير فما هو مبرر اعتراضكم على تعلق المثقف العربي بفلاسفة الأنوار الأوروبيين؟

من الأمنيات لو أن المثقفين في المجال العربي والإسلامي, كان لهم من التأثير في مجتمعاتهم بالشكل الذي يعادل أو يقارب تأثير فلاسفة الأنوار الأوروبيين في مجتمعاتهم, ومن الأمنيات لو أن المثقفين في المجال العربي والإسلامي, وصلوا إلى ما وصل إليه فلاسفة الأنوار الأوروبيين فكرياً وأخلاقياً, ومن الأمنيات كذلك لو أننا نتذكر مثقفينا كما يتذكر الأوروبيين فلاسفة الأنوار عندهم, أو كما يتذكرهم بعضنا كالدكتور محمد إقبال, الذي قال عن إيمانويل كانت فيلسوف ألماني الشهير, وصاحب القول الوارد في السؤال, بأنه كان أجل نعم الله على وطنه.

ووجه الاعتراض ليس في أساس علاقة المثقف العربي بفلاسفة الأنوار الأوروبيين, وإنما في طريقة ونمط هذه العلاقة التي يحكمها التقليد والتبعية, والانبهار والافتتان, والتعلق بأفكار وفلسفات تأتي من الخارج, ويكون عاجزاً عن اكتشافها وإبداعه من داخله, وحين تعامل المثقف العربي مع فكرة الأنوار بوصفها فكرة جاءت لتحطيم العقيدة والنظم الدينية, والإطاحة بنظرية الإيمان بالغيب وبما وراء الطبيعة.

 

  •         هل ترى أن تباين الثقافتين: الإسلامية والغربية ساهم في تأجيج الصدام؟

ليس التباين هو منبع الصدام بين الثقافتين الإسلامية والغربية, فهذا التباين سيظل قائما ولا يمكن رفعه أو التخلص منه, وهو موجود بين مختلف الثقافات الإنسانية القديمة والحديثة والمعاصرة, ولا يبرر الصدام على الإطلاق بين هذه الثقافات.

ومنشأ هذا الصدام يمكن البحث عنه في العلاقة بين الثقافة والسياسة, وحين تفقد الثقافة جوهرها الإنساني والأخلاقي, وتحركها المنافع والمصالح والطموحات السياسية, وتتحول الثقافة أداة للسياسة والحروب, أو حين تتحول الثقافة إلى إمبريالية وإلى استعمار وفرض السيطرة والهيمنة على الآخرين.

وجوهر المشكلة بين الثقافتين الإسلامية والغربية يرجع إلى التاريخ من جهة, وإلى نزعة الممانعة وعدم الخضوع والاستسلام في الثقافة الإسلامية من جهة أخرى, وإلى نزعة السيطرة والإمبريالية في الثقافة الغربية من جهة ثالثة.

 

  •   في المقابل ما السبيل إلى تأسيس رؤية تنويرية مشتركة بين المثقفين تكون نابعة من السياق الاجتماعي والتاريخي للأمة العربية والإسلامية؟

هذه المهمة هي من أصعب المهام, وليس بالضرورة هي مهمة ممكنة, لأن المثقف ميال بطبعه وبحسه النقدي الذي لا يفارقه, إلى الاختلاف وليس للمطابقة, وميال إلى التفرد وليس للاجتماع, وإلى كسر الإجماع وليس بحثاً عن الإجماع, لأن المثقف حسب الصورة الأوروبية وكما صوره إدوارد سعيد, هو صاحب نزعة نقدية وفردية وحرة, وحسب قوله (وجوهر الأمر أن المثقف, حسب مفهومي للكلمة, لا هو عنصر تهدئة, ولا هو خالق إجماع, وإنما إنسان يراهن بكينونته كلها على حس نقدي, على الإحساس بأنه على غير استعداد للقبول بالصيغ السهلة, أو الأفكار المبتذلة الجاهزة).

وهذا لا يعني على الإطلاق عدم البحث عن السبيل إلى تأسيس رؤية تنويرية مشتركة بين مثقفي الأمة, ويكفي التفاهم على مبدأ العلاقة والتوازن بين الهوية والتقدم, لأننا لا نبحث عن تقدم بلا أخلاق, أو حداثة بلا قيم, أو مدنية بلا دين.

 

  •       ما هو مفهومكم لعصر الإصلاح, وكيف تتصور مسيرته في ظل ظروف تتحكم فيها القوى الكبرى في العالم؟

مع الانبعاث الكبير والواسع لفكرة الإصلاح في المجال العربي والإسلامي, كنا بحاجة لتطوير هذه الفكرة وتنضيجها وتعميقها وتفعيلها, وجعلها فلسفة لعصرنا ليكون هذا العصر هو عصر الإصلاح بالنسبة لنا, هذه كانت رغبتنا فهل نستطيع أن نمضي في تحقيق هذه الرغبة وتحويلها إلى واقع فعلي, هذا هو التحدي الذي ينتظرنا!

فنحن ننتظر اليوم الذي ندرك فيه إننا دخلنا عصر الإصلاح, لكي نواجه في هذا العصر كل هذه التراكمات الهائلة والضخمة والمفزعة التي جلبتها لنا عصور التراجع والجمود والتخلف, هذه هي أعظم مهمة فكرية علينا أن نراهن على إنجازها, من أجل ولادة عصر الإصلاح في مجالنا العربي والإسلامي.

والمفارقة أن العامل الدولي لم يعد يشكل مانعا أو عائقاً في التقدم نحو عصر الإصلاح, وحينما نملك القدرة على تغيير ما بأنفسنا, فلن تستطيع أي قوة أخرى أن تقف في طريقنا.

 

  •    يشكل الخطاب اليوم عامل تقارب أو تنافر بين الأفراد والجماعات, فكيف تقيمون وضعية الخطاب الإسلامي المعاصر وهل هو قادر على مواجهة تحديات العصرنة والتحديث؟

الخطاب الإسلامي المعاصر ليس خطاباً واحداً ومتحداً في بنيته الداخلية, ومسلكياته الخارجية, ولم يكن في الماضي على هذه الصورة, ولن يكون في المستقبل كذلك, فنحن أمام خطابات متعددة ومتنوعة, تتفاوت في نضجها وخبرتها, وتتباين في منظوراتها ومساراتها, وتختلف في مناهجها واتجاهاتها, وبين هذه الخطابات هناك صعود ونزول, بمعنى قد يتقدم نمط من هذه الخطابات في زمن, ويتراجع في زمن آخر, فهذه الخطابات يشملها قانون حركة الأطوار.

وأقدر هذه الخطابات على مواجهة تحديات العصر والتحديث, هو الخطاب الذي يتواصل مع العصر, وينفتح على علومه ومعارفه, ويدعو لمواكبة تطوراته وتجدداته, وبهذا الفعل نستطيع مواجهة تحديات العصر والتحديث, وليس بالانقطاع عن العصر أو الانفصال عنه.

 

  •   تعتبر الوحدة أمل المسلمين منذ عقود من الزمن, لماذا في نظركم فشلت كل الجهود الرسمية وغير الرسمية في إنزال خطاب الوحدة من النظرية إلى الممارسة والتطبيق؟

لعل هناك مجموعة عوامل ذاتية وموضوعية متصلة ومتشابكة, ساهمت في تراجع خطاب الوحدة على مستوى الأمة, من هذه العوامل الموضوعية أن خطاب الوحدة لا يمكن أن يتقدم في ظل ما يحصل في الأمة من تراجع, لأن الوحدة وكل ما يتصل بها من منظومة فكرية وأخلاقية, هي من تجليات سلوك الأمم المتقدمة, فالأمة كلما تقدمت كلما اقتربت من الوحدة, وكلما تراجعت كلما ابتعدت عن الوحدة, وفي هذا الشأن يمكن التأمل في كيف تفككت دول الخلافة العثمانية واضمحلت في العقود الأولى من القرن العشرين, وكيف تفكك الاتحاد السوفيتي في العقود الأخيرة من القرن العشرين, كما يمكن التأمل في كيف تتوحد أوروبا اليوم.

ومن هذه العوامل الموضوعية أيضاً, أن الجهود المبذولة لا تعادل أو تكافئ ما يتطلبه تقدم ونجاح خطاب الوحدة في الأمة, والواقع يكشف عن حالة عكسية تماماً, بمعنى أن الجهود المضادة والمعرقلة لخطاب الوحدة تتفوق وبدون قياس على مستوى الجهود الإيجابية, فهل نتوقع في مثل هذه الوضعيات أن يتقدم خطاب الوحدة في الأمة!

أما العوامل الذاتية, فمنها أن خطاب الوحدة بحاجة إلى تجديد فكري, لمعرفة ماذا نريد من الوحدة على وجه التحديد؟ وكيف ينبغي أن نفهم خطاب الوحدة اليوم؟

 

  •   إن الواقع العالمي المتأزم اليوم على أكثر من صعيد يعيد إلى الأذهان من حين لآخر مقولة صدام الحضارات التي أعلنها هنتنغتون مطلع التسعينات, والتي يتبناها البعض ويفسر على ضوئها الأحداث الجارية اليوم, بينما يذهب آخرون إلى أن الصدام الواقع هو صدام بين الأصوليات كما يرى طارق علي, أو هو صدام الجهالات كما عبر عنها إدوارد سعيد, فهل يأتي كتابك تعارف الحضارات ليؤكد فرضية الصدام أم جاء مفنداً لها؟

لقد جاءت فكرة تعارف الحضارات بوصفها فكرة معبرة عن الرؤية الإسلامية في مجال العلاقات بين الحضارات, ومنبعها القرآن الكريم في قوله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) فالآية خاطبت الناس كافة شعوباً وقبائل بمفهوم التعارف, بوصفه المفهوم الذي بإمكانه أن يستغرق الناس كافة, وعلى مستوى الشعوب والقبائل أي الجماعات والمجتمعات بما يشمل ويستوعب الحضارات.

ومن جهة أخرى, إن هذه الفكرة جاءت لتؤكد أن الصدام بين الحضارات ليس هو الواقع السليم والصحيح في العلاقة بين الحضارات, أو الذي ينبغي أن يسود بين هذه الحضارات, وإنما التعارف هو السبيل السليم في العلاقة بين الحضارات, لأن الحضارات إنما تتوارث وتتعاقب على أساس التعارف فيما بينها.

كما أن هذه الفكرة جاءت لتؤكد أن الحوار بين الحضارات ليس ممكناً إلا على أساس التعارف بينها, وبدون هذا التعارف لا يكون الحوار ممكناً بين الحضارات. علماً أن فكرة التعارف بين الحضارات هي أكثر دقة وضبطاً وتماسكاً ووضوحاً من فكرة حوار الحضارات.

وتقدم تعارف الحضارات اليوم بوصفها نظرية ثالثة إلى جانب نظريتي حوار الحضارات وصدام الحضارات.

 

  •    بالرغم من الإنجازات المعتبرة لمفكرين كبار أمثال مالك بن نبي وعلي شريعتي والإمام المودودي وغيرهم أن هذه الجهود أخفقت في بلورة مدارس فكرية متنوعة على غرار ما حدث في الغرب فما هي الأسباب في رأيكم؟

هذا سؤال فكري شديد الأهمية, ويلفت الانتباه إلى طبيعة مصير ومآلات حركة الأفكار والفلسفات في المجال الإسلامي المعاصر, ويكشف عن مفارقة هامة للغاية بين حركة تطور الأفكار والفلسفات في المجالين الإسلامي والأوروبي, وكيف تتحول الأفكار إلى فلسفات ومدارس فكرية في أوروبا, بينما تتعرض الأفكار في المجال الإسلامي المعاصر إلى الإهمال والنسيان والتلاشي والاضمحلال.

ويرجع هذا الإخفاق عندنا إلى طبيعة البيئة الفكرية في مجالنا, وإلى طريقة تعاملنا مع الأفكار, ومع المفكرين, فنحن في أحيان كثيرة وكما هو الشائع في أذهان الكثيرين لا نلتفت إلى الأفكار والمفكرين إلا بعد غيابهم وحسب قول الدكتور علي شريعتي إننا نعبد الموتى, ومن نلتفت لهم في حياتهم فإن علاقتنا بهم تنتهي مع غيابهم, وهناك ما يشبه النكوص بعد غيابهم, والتوقف عن تتمة المشروع, وهذا ما ندركه عندما نتساءل ماذا بعد مالك بن نبي؟ وماذا بعد السيد محمد باقر الصدر؟ فهل تقدمنا بعد مالك بن نبي أم تراجعنا؟ وهكذا بعد السيد محمد باقر الصدر؟ وهل هناك تتمة قمنا بها لأفكار ابن نبي بعد غيابه؟ أو بعد غياب السيد الصدر؟

ونحن مازلنا في مرحلة ما قبل مالك بن نبي وما قبل السيد الصدر, ولم نرتق إلى مرحلة ما بعد مالك بن نبي أو بعد السيد الصدر؟ فهل تساءلنا عن ما بعد مالك بن نبي وما بعد السيد الصدر؟

وهذا بخلاف ما حدث في الفكر الأوروبي الذي ارتبطت أطواره الفكرية بالسؤال دائماً عما بعد, من قبيل عما بعد ديكارت, وما بعد كانت, وما بعد هيغل, وما بعد نيتشه, وما بعد هايدجر, وما بعد فوكو, وما بعد هابرماس, وتستمر القائمة ولا تتوقف.

لهذا ينبغي أن نعيد النظر في طريقة تعاملنا مع حركة تطور الأفكار في مجالنا العربي والإسلامي.

 

  •   أعطيتم قسطاً كبيراً من اهتماماتكم إلى المفكر مالك بن نبي وقد خصصتم له مؤلفاً يعالج المسالة الثقافية, ما هي المحطات التي استوقفتكم في رحلتكم مع مالك بن نبي وكيف ترون راهنية فكره في وقت تتعثر فيه الجهود النهضوية في العالم العربي؟

حينما وصلت إلى مؤلفات مالك بن نبي, وجدت نفسي لأول مرة أنني أمام مفكر من طراز مختلف لا يكاد يتكرر في الآخرين, وبخلاف المفكرين الآخرين الذين يتكرر الكثير منهم فيما بينهم, فمالك بن نبي كانت له لغته الاصطلاحية الخاصة به, وله طريقته في تحليل وتركيب المفاهيم والأفكار, وله نسقه الفكري الذي حاول تحديده في نطاق ما اسماه مشكلات الحضارة.

وعندما اقتراب خطوة من مؤلفات ابن نبي, وجدت كذلك أنها كتابات ليست سهلة وسلسلة الهضم والاستيعاب, وإنما هي بحاجة إلى إعمال النظر فيها, والصبر عليها, وهذه الملاحظة نفرت البعض من هذه الكتابات, خصوصاً من أولئك الذين تعودوا على القراءة السهلة والسريعة والعابرة.

وأفكار النهضة والحضارة والثقافة هي التي جعلتني أتواصل مع هذه الكتابات, وأتمسك بها, وأرجع إليها من وقت لآخر.

هذه هي المحطة الفكرية الأولى, التي بدأت مع بواكير تجربتي مع الثقافة والمعرفة, ومن بعدها تلاحقت هذه المحطات التي مثل فيها صدور كتاب (مالك بن نبي ومشكلات الحضارة) في طبعته الأولى سنة 1992م طوراً جديداً, وهكذا إلى صدور كتاب (المسالة الثقافية) سنة 2005م.

وأما راهنية الفكر, فأرى إننا بحاجة إلى قراءة جديدة وفعالة لمالك بن بني بأعمال فكرة الفعالية التي دعا إليها ابن نبي نفسه وتحدث عنها في مؤلفاته, بمعنى إننا بحاجة إلى مالك بن نبي بعد مالك بن نبي, يأتي لكي يتمم ما بدأه ابن نبي ويتواصل معه ويضيف إليه, ويتجاوزه أيضا, التجاوز بمعنى الإضافة والإبداع وليس الإلغاء أو الإقصاء, هذا هو التحدي الذي ينتظرنا!

 

 
 
 
عدد الزوار : 38644