حوار مع صحيفة (البصائر) الجزائرية
الأستاذ زكي الميلاد رئيس تحرير مجلة (الكلمة), الفصلية الفكرية الصادرة ببيروت, وباحث متميز في الفكر الإسلامي المعاصر, صدر له في هذا السياق مجموعة من الكتب منها: محنة المثقف الديني مع العصر, من التراث إلى الاجتهاد: الفكر الإسلامي وقضايا الإصلاح والتجديد, المسألة الحضارية, تجديد التفكير الديني في مسألة المرأة, مالك بن نبي ومشكلات الحضارة, الإسلام والغرب: الحاضر والمستقبل.
يطرح الأستاذ الميلاد في الحوار الخاص لجريدة (البصائر) أهم تصوراته وتأملاته حول قضايا التجديد الإسلامي, ومستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب.
لقد جاء غياب هؤلاء المفكرين في وقت متقارب, جعلنا نتذكرهم معاً, ونجري المقارنات والمقاربات الفكرية والثقافية فيما بينهم, ونتلمس تأثيرات هذا الغياب على مسارات الأمة ومسلكيات الفكر الإسلامي, فالأستاذ مالك بن نبي فقدناه عام 1973م, والدكتور علي شريعتي فقدناه عام 1977م, والشيخ أبو الأعلى المودودي فقدناه عام 1979م, والسيد محمد باقر الصدر فقدناه عام 1980م.
والعامل المؤثر في غياب هؤلاء, أنه جاء في وقت كان العالم الإسلامي يشهد فيه يقظة وتحولاً في مساراته ومسلكياته الثقافية والسياسية, فكانت الحاجة ملحة للدور التنويري والنهضوي لهؤلاء, خصوصاً وأنهم من الذين ساهموا في يقظة الأمة, وتجديد روحها, وتطوير ثقافتها.
ولعل من أكثر ما يميز هؤلاء, هو عنايتهم بالعامل الفكري, وتأكيدهم على دور هذا العامل في نهضة الأمة وتنويرها, وفي بعث الحركة والحيوية في منظومة الفكر الإسلامي المعاصر. فمالك بن نبي حاول ربط الفكر الإسلامي بمشكلات الحضارة, وجعل فكرة الحضارة في صميم اهتمامات الفكر الإسلامي المعاصر, وقدم عطاء في هذا المجال هو العطاء المتميز والحيوي في منظومة الفكر الإسلامي. وعلي شريعتي حاول ربط الفكر الإسلامي بعلم الاجتماع وعلم الاجتماع الديني تحديداً, وساهم في إحياء وتجديد فلسفة محمد إقبال في العودة إلى الذات, وإعطاء هذه الفلسفة مضامين اجتماعية, والشيخ أبو الأعلى المودودي حاول ربط الفكر الإسلامي بفكرة الهوية, وكشف عن فيصل التفرقة بين المنظومة الإسلامية وبين المنظومات الأخرى المغايرة, والسيد محمد باقر الصدر حاول ربط الفكر الإسلامي بالإسهام النظري الرفيع في مجالات الفلسفة والمنطق والاقتصاد.
وقيمة العطاء الفكري لهؤلاء, هو أننا مازلنا نتذكره إلى اليوم, ونرجع إليه, ونثمنه بوصفه عطاء تنويرياً, يهدف إلى نهضة الأمة ووحدتها, وتجديد فكرها.
حاول بعض الباحثين في مجال الإسلاميات المعاصرة, التفريق بين مرحلتين من مراحل تطور الفكر الإسلامي, بين المرحلة الممتدة من النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي مع انبعاث الإصلاحية الإسلامية بزعامة السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده, إلى ثلاثينات القرن العشرين, أو إلى نهاية عهد الدولة العثمانية في عشرينات القرن العشرين. وقد أطلق هؤلاء الباحثين على هذه المرحلة تسمية الفكر الإسلامي الحديث, تمييزاً وتخصيصاً لها عن المرحلة التي جاءت بعدها, وهي المرحلة الممتدة من النصف الثاني من القرن العشرين إلى ثمانينات القرن نفسه, وأطلق على هذه المرحلة تسمية الفكر الإسلامي المعاصر.
ومن المفارقات الموضوعية بين هاتين المرحلتين, أن الفكر الإسلامي الحديث ارتبط بالدولة العثمانية وعصرها, في حين ارتبط الفكر الإسلامي المعاصر بالدولة العربية القطرية وعصرها. وبينما واجه الفكر الإسلامي الحديث الهجمة الأوروبية الاستعمارية على البلاد الإسلامية, واجه الفكر الإسلامي المعاصر مرحلة ما بعد الاستعمار أو الاستعمار غير المباشر, إلى غير ذلك من مفارقات أخرى.
ومعظم الذين نظروا إلى هاتين المرحلتين, وجدوا أن مرحلة الفكر الإسلامي الحديث أو عصر الإصلاحية الإسلامية, كان أكثر تقدماً ونضجاً وانفتاحاً وإبداعاً من المرحلة التي جاءت بعدها, وهي مرحلة الفكر الإسلامي المعاصر.
وحين النظر في تفسير هذا التميز والتقدم, يمكن إرجاعه إلى مجموعة من العوامل المتصلة والمتشابكة, منها ما يتصل بنوعية الرجال, فقد ارتبط الفكر الإسلامي في تلك المرحلة, بزعماء كبار كانوا في طليعة حركة الإصلاح الإسلامي, وفي مقدمتهم السيد جمال الدين الأفغاني الذي اعتبره محمد إقبال أعظم مفكر ديني دعا إلى بعث الإسلام في العالم الإسلامي الحديث, واعتبره مالك بن نبي بأنه كان رجلاً ذا ثقافة فريدة عدة فاتحة عهد رجل الثقافة والعلم في العالم الإسلامي الحديث.
ومنها هذه العوامل أيضاً, حيوية البيئات الإسلامية المركزية في ذلك الوقت, ودينامية التفاعل والتواصل فيما بينها, ونقصد بهذه البيئات الحواضر الإسلامية الكبرى في العالم الإسلامي وهي مصر وتركيا وإيران.
ومنها ما يتصل بطبيعة القضايا والمسائل الفكرية التي تعاطى معها الفكر الإسلامي الحديث, حيث كانت على درجة كبيرة من الأهمية, وتعامل معها بمنهجية تتجاوز منطق الثنائيات الجدلية وطريقة السجال الاحتجاجي, وفي مقدمة هذه المسائل مسألة نفي التعارض بين الدين والمدنية.
ومنها ما يتصل بطبيعة العلاقة ما بين النخب والجماعات الفكرية والدينية حيث سادها التواصل والانفتاح, وبعيداً عن ذهنية القطيعة والانغلاق. إلى جانب عوامل أخرى.
يلامس هذا السؤال محنة المسلمين الحقيقية, فمشكلتنا أننا نتصادم مع أنفسنا, ونتفوق في ميادين الهدم ونتراجع في ميادين البناء, ونستنزف قوانا, ونهدر طاقاتنا, ونضيع إمكاناتنا في معارك هامشية, وصدامات داخلية, ونزاعات وهمية, نفتقد فيها إلى البوصلة الحقيقة التي نسترشد بها في اكتشاف معركتنا الحقيقية, وهي معركة التنمية والبناء والتقدم والعمران, في بناء مدارسنا, وتطوير جامعاتنا, وتحديث معاهدنا, والارتقاء بمصانعنا, وفي معالجة الفقر والبطالة, ومكافحة الجهل والأمية, وفي صناعة الإبرة لكي نصل إلى صناعة الصاروخ, وفي تأمين الحياة الكريمة للإنسان في وطنه, وفي اكتساب العلم وحب المعرفة, والسير في الأرض لاكتشاف سنن سقوط وقيام الحضارات, هذه هي معركتنا الحقيقية في هذا العصر.
وتمثل اليابان لنا أفضل مثال على الدولة التي فشلت في معركة الهدم, حين انهزمت في الحرب العالمية الثانية, ونجحت في معركة البناء حين أعادت النظر إلى ذاتها, وانتقلت من ذهنية الهدم إلى ذهنية البناء.
وهذا هو التحدي الذي ينتظرنا, في القدرة على العبور من ذهنية الانقسام إلى ذهنية التكامل, ومن منهجية الهدم إلى منهجية البناء, وهذا العبور يتطلب من الأمة أن تمتلك البصيرة, وتنظر إلى مستقبلها بمسؤولية وأفق بعيد, ونجعل من فكرة التقدم منطلقاً وأساساً لحركتنا في الحياة.
هناك في الغرب من يتبنى فكرة صدام الحضارات بين الإسلام والغرب كبرنارد لويس وصمويل هنتنغتون, وهناك من يدحض هذه الفكرة أيضاً مثل جون إسبيزيتو صاحب كتاب (الخطر الإسلامي بين الوهم والحقيقة).
وفي العالم الإسلامي كذلك, هناك أصحاب الذهنيات المتعصبة التي تحاول أن تصور أننا مازلنا في عصر تقسيم العالم إلى دار حرب ودار إسلام, وتدفع نحو الصدام ليس مع الغرب فحسب, وإنما مع العالم برمته, وهناك كذلك أصحاب الذهنيات المتعقلة التي تحاول أن تصور بأن العالم فيه من التعدد والتنوع والغني والثراء بشكل يدفعنا إلى التفاعل والتواصل معه, على خلفية اطلبوا العلم ولو بالصين, وخلفية قل سيروا في الأرض فانظروا, وخلفية الحكمة ضالة المؤمن, فاطلبوها ولو عند المشرك تكونوا أحق بها وأهلها.
وبالتالي فإن من الوهم تصوير حتمية الصدام الحضاري بين الإسلام والغرب.
لعل الفكر الإسلامي المعاصر بحاجة ماسة اليوم لأن يراجع موقفه من العولمة, ويجدد ويطور ويوازن في هذا الموقف, الذي تشكل في أول الأمر بفعل تأثير صدمة العولمة, الصدمة التي شعر بها الجميع, وإن تفاوتت وتباينت ردات الفعل نحوها بين الثقافات والمجتمعات الإنسانية.
وبتأثير هذه الصدمة اتخذ الفكر الإسلامي موقفاً من العولمة, غلب عليه حالة الإرباك والانفعال, أمام ظاهرة فاجأت الجميع في شدة وقوة مفاعيلها وتأثيراتها, حيث قلبت بصورة جذرية منظورات الرؤية إلى العالم.
وعند تحليل هذا الموقف نكتشف بسهولة أن له طبيعة نفسية, أكثر من كونه معبراً عن موقف له طبيعة علمية. في حين كان من الأصوب أمام هذه الظاهرة المكثفة والمركبة تغليب وتحكيم الموقف العلمي والتحليل العلمي, وليس الموقف النفسي والتحليل النفسي, وهذا الذي ينبغي أن يتغير اليوم في موقف الفكر الإسلامي المعاصر.
كما أن أنماط الفهم والتعامل مع العولمة يتعدد ويختلف بحسب تباين مستويات التقدم في الأمم والمجتمعات, فكلما تقدمت الأمم تغيرت عندها صورة العولمة, وأنماط الفهم والتعامل معها, بحيث من الممكن القول أن المجتمعات المتقدمة تغلب إيجابيات العولمة على سلبياتها, في حين قد يحدث العكس عند المجتمعات غير المتقدمة حيث تتغلب سلبيات العولمة على إيجابياتها.
وهذا يعني أن جوهر مشكلتنا مع العولمة هي في الأساس ترتبط بالمستوى التاريخي الذي نحن عليه من جهة مستوى التطور والتقدم الحضاري, فإذا تغير هذا المستوى وتقدم نحو الأمام فإن من الممكن أن تتغير نظرتنا إلى العولمة. باعتبار أن العولمة تتناسب والمجتمعات المتقدمة, ومن هذه الجهة فإن العولمة تفرض علينا خيار التقدم الحضاري كشر ط تاريخي يضمن لنا البقاء والوجود في هذا العالم المتغير.