حوار حول الثقافة الشمولية والمثقف الشمولي
الثقافة الشمولية, والمثقف الشمولي أو الموسوعي, جدل لا ينتهي, بين ناسف له وناعت بالشعاراتية, وبين مفتقد لوجوده ويؤكد ضرورته لصياغة مشاريع النهضة. عن المثقف الشمولي والثقافة الشمولية, كان لنا هذا الحوار مع زكي الميلاد المفكر والباحث المعروف.
يذكرنا المثقف الشمولي, بأولئك الفلاسفة الكبار الذين أحاطوا بالعلوم والمعارف, على تعدد وتنوع صنوفها وحقولها, وساهموا في تأسيسها ووضع نظرياتها وتقعيد أصولها, في عصورهم وأزمنتهم, وفي ثقافاتهم ومجتمعاتهم. ويبرز من هؤلاء أفلاطون وأرسطو في الحضارة اليونانية القديمة, والفارابي وابن سينا وابن رشد في الحضارة الإسلامية الوسيطة, وديكارت وكانت واسبينوزا في الحضارة الأوروبية الحديثة.
وهذا يعني أن المثقف الشمولي لا ينتمي إلى حضارة معينة, ولا يصنف على ثقافة خاصة, ولا يتحدد بزمن محدد, فجميع الحضارات أنجبت نموذج المثقف الشمولي في عصور ازدهارها وتقدمها العلمي والحضاري.
وبالتالي فإن المثقف الشمولي الحقيقي, هو أقرب إلى شخصية أولئك الفلاسفة الذين عرفوا عنهم الإحاطة بالعلوم والمعارف على تعدد وتنوع صنوفها وحقولها. وهذا الصنف في عالمنا العربي الراهن هو بحكم النادر والنادر جداً, ولا أدري إذا كان عبد الرحمن بدوي هو آخر هؤلاء في العالم العربي, الذي يصدق عليه وصف المثقف الشمولي أم لا؟, فهو المثقف والفيلسوف الأكثر قرباً وتشبهاً وتقمصاً بأولئك الفلاسفة, الذين طالما عايش نصوصهم, وتوغل في علومهم, وترجم كتاباتهم, ويكفي لدهشتنا معرفة ما كان يتقنه من لغات, حيث عرف عنه أنه يتقن قراءة وكتابة وترجمة, اليونانية والألمانية والإنجليزية والإيطالية والأسبانية.
ولعل بات من النادر أيضاً, وجود مثل هذا المثقف الشمولي, حتى في عالمنا وعصرنا الراهن, فنادراً ما نسمع عن مثقف أو مفكر أو عالم أو فيلسوف اتصف وتميز بشمولية المعرفة باحاطة وتمكن واقتدار.
بهذه النماذج تتكشف صورة المثقف الشمولي الحقيقي, وتتحدد المعايير في إطلاق هذا الوصف.
يتأثر المثقف في طرائق علاقته بالمعرفة, بطبيعة اتجاهات المعرفة السائدة في عصره, فإذا كانت المعرفة تميل أو تنحاز إلى الشمولية, فإن المثقف سوف ينحاز إلى مثل هذه الشمولية, أما إذا كانت المعرفة تميل وتنحاز إلى التخصص, فإن المثقف سوف ينحاز إلى هذا التخصص بطبيعة الحال. باعتبار أن المثقف يتأثر بهذه المعرفة, بوصفها معرفة ساهمت في بنائه وتكوينه.
ولعل هذا ما يفسر ميل المثقف في الأزمنة السابقة نحو الثقافة الشمولية والمعرفة الشمولية, حينما كان هذا الميل موجوداً في الثقافة والمعرفة, ويدفع المثقف لأن يأخذ من كل شيء من العلم والمعرفة بطرف, وحينما كانت العلوم والمعارف شديدة التداخل والتشابك فيما بينها, وحينما كانت الفلسفة تلعب دور الحاضن والمرجع والموجه للعلوم والمعارف.
وهذا ما يفسر كذلك ميل المثقف في الأزمنة الراهنة, نحو التخلي عن الثقافة الشمولية والمعرفة الشمولية, والاقتراب من حقول معينة في بنائه وتكوينه الثقافي والمعرفي, لكون أن المعرفة السائدة في هذا العصر تميل وتنحاز نحو المعرفة المتخصصة, وذلك بعد أن تغيرت أحوال المعرفة في العالم تغيراً جذرياً, وأصبحت المعرفة تتراكم وتتضاعف بسرعة مذهلة, وبعد أن انقسمت وتفرعت المعارف والعلوم, وبات من الصعب ولعل من المستحيل كذلك, الاحاطة بهذه المعارف والعلوم.
يطرح البعض فكرة أن المثقف الشمولي إنما تعبر عن حالة مرضية تصيب رجل الثقافة ضعيف البنية, ليعوض فشله على جبهة الإنجاز بأن يعدد مجالات حديثه, ما مدى واقعية هذا الطرح؟ وهل يتحول المثقف الشمولي إلى ظاهرة شعاراتية في النهاية؟
يفتح هذا السؤال الحديث عن علاقة المثقف بالمعرفة في مجالنا العربي, فليس معروفاً عن المثقف العربي أنه مثقف طموح في اكتساب المعرفة، ودؤوب في السعي إليها, حتى لو تطلب الأمر تحمل المشاق والصعوبات, والعيش في ظل ظروف قاسية. وحين يقارن الدكتور هشام جعيط في كتابه: (أزمة الثقافة الإسلامية), بين المثقف الأوروبي والمثقف العربي، يقول عن الأول: إنه قد يفصح عن إلحاده أو تشككه، لكنه يقرأ الكتاب المقدس، ولعله قرأ القرآن والبهاغا فاغيتا، والتصوف اليهودي والمسيحي, وصار مغرماً بالفكر البوذي والتاوي, وهذا ما يكوّن سعة أفقه, ويوسع من اهتمامه بالفلسفة اليونانية, والتقليد الفكري الحديث من لدن ديكارت. وهذا ليس من شأننا، ـ كما يضيف جعيط ـ بل قلّ من يوجد من قرأ فعلاً موطأ مالك، وصحيح البخاري، والمنقذ للغزالي، وحتى لابن سينا وابن رشد، سوى من اختص في موضوع مستقى من هذه الآثار، لكن ليس بسبب تعميق الثقافة.
ويمكن القول أن عصر المثقف الشمولي قد ولى, من دون أن نغلق الطريق أمام إمكانية تقدم البعض إلى هذا المستوى من المعرفة الشاملة. وتماثل هذه الحالة ما حصل في مجال الفقه والاجتهاد الفقهي, حينما أغلق باب الاجتهاد على رأي البعض, بسبب تعذر وجود المجتهد المطلق, الذي يعادل المثقف الشمولي في مجال الثقافة والمعرفة.
ولكي يكتسب المثقف الموثوقية والمصداقية, عليه أن يقدم نفسه من خلال المجال الذي يكون قريباً منه, ومحيطاً به, ومطلعاً عليه.
ألم تؤسس الأفكار المحددة في تاريخ الثقافة الأوروبية, كالعقد الاجتماعي عند جون لوك, والشك المنهجي عند ديكارت, ونقد العقل عند كانط, بنية للنهضة وهذا ما لم تؤسس له مشاريع شمولية نهضوية في تاريخنا الثقافي الحديث, كمشاريع محمد عبده, ومالك بن نبي, والمشاريع القومية العربية على سبيل المثال, مما يعكس فشلاً ذريعاً لأي مشروع شمولي اليوم؟
منذ عصر النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر الميلادي, كان تقدم الأفكار والفلسفات هناك أقوى من أن يقاوم, وقد جاءت هذه الأفكار والفلسفات مع انبعاث نهضة متوثبة وصاعدة, وتهيأت وتوفرت لها الشروط الموضوعية لنموها وتقدمها, مما ساعد على تقدم ونجاح الأفكار والفلسفات التي عرف بها المفكرون الأوروبيون في ذلك العصر وما بعده, وبهذا التقدم والنجاح عرفت هذه الأفكار, واشتهرت في تاريخ الفكر الإنساني.
وهذا الذي لم يتهيأ لمشاريع عصر النهضة عندنا في القرن التاسع عشر الميلادي, حيث لم تستطع هذه المشاريع على قوة زخمها, وعظمة رجالها, وتفوق خطابها, من إصلاح دولة الخلافة العثمانية, التي أعاقت بدورها تقدم ونجاح أفكار ومشاريع حركة الإصلاح والتجديد الديني. وفي مرحلة لاحقة, أعاقت الدولة العربية الحديثة, تقدم ونجاح الأفكار والمشاريع النهضوية.
وحينما طرح السيد جمال الدين الأفغاني في فكرة الجامعة الإسلامية, كان يتطلع منها إلى نهضة العالم الإسلامي برمته, وأن العالم الإسلامي بإمكانه أن ينهض بنفسه وبدون الحاجة إلى الغرب, ومن بعد الأفغاني بقيت هذه الفكرة, لكنها انشطرت إلى اتجاهين, اتجاه يتبناها في النطاق العربي, واتجاه يتبناها في النطاق الإسلامي, بين من يدعوا إلى نهضة العالم العربي, وأنه بحاجة إلى نهضة تشمل كل دولة وأقطاره, وبين من يدعو إلى نهضة العالم الإسلامي كله في إطار نهضة واحدة شاملة.
وهذا الفشل لا ينبغي أن يغلق علينا الطريق في البحث عن مشاريع نهضوية شاملة, لأن الفشل والعجز الحضاري امتد حتى إلى النطاقات القطرية والمحلية.
كيف يمكن أن نقر بنهاية المثقف الشمولي, مع أن العلوم كما أصبحت أكثر دقةً وتحديداً, ارتدت أكثر تداخلاً وتعقيداً؟ فالفيزياء تتقاطع مع الفلسفة مثلاً, ولا يمكن فصل العلوم الاجتماعية عن النقد وقراءة النصوص..الخ؟
فعلاً أن العلوم بقدر ما أصبحت أكثر دقة وتحديداً, باتت أيضاً أكثر تداخلاً وتعقيداً, ومن الأفكار البديعة, والتي لم يلتفت إليها كثيراً في العالم العربي, فكرة وحدة وتناسق المعرفة التي طرحها العالم والمفكر إدوارد ويلسون عام 1998م, حيث اعتبر أن السعي الأعظم للعقل كان وسيظل دائماً, محاولة ربط العلوم الطبيعية بالعلوم الإنسانية, فالتشظي المتواصل للمعرفة والتشوش الحاصل في الفلسفة, كما يقول ويلسون ليس انعكاساً للعالم الحقيقي, ولكنهما ناتجان من صنع الإنسان في طلبه للعلم, وحسب زعمه أننا سوف نكتشف وجود وحدة جوهرية بين كل أشكال المعرفة.
وفي هذا الشأن يمكن الإشارة إلى ملاحظتين مهمتين:
الملاحظة الأولى: أن مع القول بالتخصص, إلا أنه تبقى الحاجة إلي الإطار الأوسع أو الأشمل, فعندما انقسمت العلوم عن الفلسفة, وقيل في وقتها أن الفلسفة قد انتهت, برزت الحاجة مرة أخرى إلى ضرورة البحث عن علاقة جديدة بين هذه العلوم, فظهر ما سمي بفلسفة العلم أو فلسفة العلوم.
وهكذا الحال في داخل إطار العلم الواحد, فجميع العلوم الاجتماعية والإنسانية انقسمت وتفرعت إلى أقسام وحقول, ومازالت تتفرع, إلا أنها تبقى في حاجة إلى إطارها العام, فعلم الاجتماع مثلا, الذي تفرع إلى حقول متعددة, ومازال يتفرع أيضاً كلما ظهرت الحاجة إلى حقل جديد, مع ذلك بقيت الحاجة إلى الإطار العام لهذا العلم, والذي يمثله علم الاجتماع العام. وهكذا في العلوم الاجتماعية والإنسانية الأخرى.
الملاحظة الثانية: أن التخصص في العلوم الطبيعية يختلف بطبيعة الحال, عن التخصص في العلوم الاجتماعية والإنسانية والشرعية والعقلية, فإذا كانت هناك حاجة إلى التخصص الدقيق في العلوم الطبيعية والطبية, فإن هذه الدقة الشديدة ليست ملحوظة في العلوم الاجتماعية والإنسانية والشرعية والعقلية, التي تتصل فيما بينها اتصالاً وثيقاً وشديداً, وبإمكان المثقف أن يحيط بهذه المعارف والعلوم, وبشكل واسع أيضاً.
النقد العنيف الذي يشنه بعض المفكرين على المثقف ودوره, كعلي حرب في (أوهام النخب أو نقد المثقف), وعبد الإله بلقزيز في (نهاية الداعية), على سبيل المثال, هل ينبع من حقيقة أن دور المثقف انتهى فعلاً في المجتمع؟ ولا أمل بقيام مثقف اليوم بمشروع نهضوي متكامل؟
لقد تعرضت صورة المثقف في العالم العربي إلى اهتزاز شديد, وهذه الصورة المهتزة, هي عند المثقف أوضح من غيره وهو أكثر إدراكاً ووعياً بها. وهذا ما يفسر أن أبلغ نقد, وأعظم نقد للمثقف جاء من المثقف نفسه, حيث أصبح المثقف ناقداً لذاته وصورته, وبنوع من الإسراف والمبالغة أحياناً, كالذي ظهر عند علي حرب في كتابه: (أوهام النخبة أو نقد المثقف), وعند عبد الإله بلقزيز في كتابه: (نهاية الداعية).
وفي هذا السياق جاءت بعض الأعمال الفكرية, التي حاولت تصحيح صورة المثقف, ومنها محاولة إدوارد سعيد في كتابه البديع: (صور المثقف), الذي حاول فيه الدفاع عن الصورة الأخلاقية للمثقف, وضرورة أن يتقمص المثقف هذه الصورة الأخلاقية, ويتمسك بنزعته النقدية الشجاعة, ويتقوى على محاولات الإغواء والإغراء من أي مصدر جاءت.
ومنها أيضاً, محاولة الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه: (المثقفون في الحضارة العربية), الذي حاول فيه معالجة إشكالية علاقة المثقف بالمرجعية الثقافية, بعدما وجد أن مفهوم المثقف رغم, واجه الواسع في أدبياتنا, إلا أنه لا يشير إلى شيء محدد, ولا يحيل إلى نموذج معين, ولا يرتبط بمرجعية واضحة في الثقافة العربية.
وهناك كذلك, محاولة علي حرب في كتابه: (أوهام النخبة أو نقد المثقف), الذي حاول فيه حسب رؤيته, أن يضع المثقف في إطار الدور الممكن أن ينهض به, حتى لا يكون المثقف يحلم بأدوار لا يستطيع ولا يتمكن من القيام بها, ويتحدد هذا الدور عنده في مهمة إنتاج المفاهيم, من هنا جاءت دعوته إلى المثقف المفكر بديلاً عن المثقف النضالي في صورته اليسارية, أو المثقف الدعوي في صورته الحداثوية كما شرحها بلقزيز في كتابه: (نهاية الداعية).
وفي هذا النطاق كذلك, كانت لي محاولة في الدفاع عن مفهوم المثقف الديني, كما شرحتها في كتاب: (محنة المثقف الديني مع العصر), بعدما وجدت أن صورة المثقف المعممة في مجتمعاتنا العربية, هي صورة المثقف الوافدة إلينا من الثقافة الأوروبية, والتي تنظر إلى المثقف بوصفه كائناً علمانياً, ينتمي إلى ما هو إنساني ولا ينتمي إلى ما هو ديني وإلهي, وذلك بعد أن تغلب رجل الثقافة على رجل الدين في عصر النهضة الأوروبية, وفي مرحلة ما بعد العصور الوسطى.
في حين أن مثقف الحضارة الإسلامية, كان مثقفاً له طبيعة دينية, كالكندي والفارابي وابن سينا والبيروني وابن رشد وغيرهم.
مع ذلك مازال الأمل قائماً, في أن ينهض مثقف اليوم, أو مثقف المستقبل, بمشروع نهضوي يعيد الأمل إلى الأمة.
مقولة نهاية المثقف, ارتبطت بأكثر من سياق في النطاق الإنساني, فقد ارتبطت بسياق نهاية الدور المعرفي للمثقف, أو دور المثقف في إنتاج المعرفة, أو نهاية المثقف بوصفه جسراً أو رافداً للمعرفة في المجتمع, وذلك في عصر يشهد فيه العالم أكبر شيوع للمعرفة يمر به التاريخ الإنساني, ففي ظل ثورة المعلومات وما سمي بانفجار المعرفة, ومع وجود الطرق السهلة والسريعة للمعرفة والمعلومات, لم يعد المثقف يحتكر لنفسه دوره في إنتاج المعرفة.
وفي سياق آخر, ارتبطت مقولة نهاية المثقف, بتحول المثقف من شخصية يحتفظ بشبكة واسعة من التواصلات مع الناس, إلى شخصية منقطعة عن الناس, أو شخصية الأكاديمي المنغلق. وفي هذا السياق جاء كتاب: (آخر المثقفين), للكاتب الأمريكي راسل جاكوبي, الذي وصفه إدوارد سعيد بالكتاب الذي أثار الكثير من النقاش في الولايات المتحدة الأمريكية, وحاول فيه مؤلفه إثبات الدعوى التي لا يرتقي إليها الشك حسب تعبير سعيد, وهي أن المثقف اللاأكاديمي اختفى كلياً من الولايات المتحدة, ولم يخلف وراءه في ذلك الموقع سوى مجموعة متكاملة من أساتذة الجامعات, ممن تستحوذ عليهم اللغة الاصطلاحية, والذين لم يعرهم أحد في المجتمع أي اهتمام يذكر. ونتيجة ذلك يعتبر إدوارد سعيد أن المثقف اليوم هو على الأرجح أستاذ أدب منغلق على نفسه, ذو دخل مضمون, لا يستهويه التعاطي مع العالم الأبعد من حدود حجرة التدريس, وغرضه الأساسي هو التقدم الأكاديمي وليس التغيير الاجتماعي.
وهناك سياق ثالث كذلك, لعله يصدق على مقولة نهاية المثقف, حيث لم يعد المثقف يتميز على الناس بتلك الفضائل التي يفترض أن تميزه, وترفع من شأنه ومكانته, كالشجاعة في قول الحق, أو كونه صاحب الضمير الحي, أو صاحب البصيرة النافذة, فقد تجد من الناس العاديين من هو أكثر شجاعة من المثقف في قول الحق, ومن هو صاحب ضمير حي أكثر من المثقف, ومن هو صاحب بصيرة أكثر من المثقف.
ما نقصده بالمثقف الديني, هو المثقف الذي يجمع بين المعرفة الدينية والمعرفة الإنسانية, بين معارف الوحي ومعارف العقل, بين علوم الدين وعلوم الدنيا. وبالتالي ليس هو الذي يشغله العمل على إثبات أفكاره وحقائقه المطلقة, عن التراكمات المعرفية, والاستقراء المنطقي للمفاهيم والأفكار.
ومن بعد آخر, فإن مفهوم المثقف الديني يتضمن دعوة إيجابية لمن ينتمون إلى الدين, ومن ينتمون إلى الثقافة, فمن ينتمون إلى الدين, وهم المتمثلون في رجال أو علماء الدين, فإن هذا المفهوم يدعوهم إلى الخروج عن الانغلاقات الدينية, والانفتاح والتواصل مع العلوم والمعارف الحديثة والمعاصرة. ومن ينتمون إلى الثقافة, وهم المتمثلون في المثقفين ورجال الفكر, فإن هذا المفهوم يدعوهم إلى الخروج عن الانغلاقات الثقافية, والانفتاح والتواصل مع العلوم والمعارف الدينية. والعمل على بناء نموذج يكون فيه المثقف دينياً, والديني مثقفاً. وهذا ما نحتاج إليه فعلياً, وغياب مثل هذا النموذج, هو الذي يعبر عن أزمتنا الثقافية الراهنة.