الأربعاء 29 رمضان 1431 هـ   - 08 سبتمبر 2010 م

شبكة صدى الشرق الالكترونية, اليمن, 29 يوليو 2006م

 

  •        أجرى الحوار: عبد الفتاح الشهاري

مازالت توجد على السطح قضايا فكرية هامة, بحاجة إلى مزيدٍ من البحث والمراجعة والحديث حولها، ومن تلك القضايا: مفهوم تعارف الحضارات، وحق الاجتهاد، والحداثة، إضافة إلى مشاكل المثقف اليوم، وقضايا المرأة..

جميع تلك القضايا وغيرها، حاولنا طرحها في رحلة نقاش هادئة مع الأستاذ زكي الميلاد،  رئيس تحرير مجلة الكلمة, والمستشار الأكاديمي في المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالولايات المتحدة الأمريكية.

 

  •         تتبنون نظرية تسمى (تعارف الحضارات), من أين استقيتم هذه النظرية, وما هو مشروعكم نحوها؟

أتذكر إنني كنت شغوفاً بفكرة الحضارة منذ بداية مطالعاتي الدينية والفكرية والثقافية, وكان يعجبني متابعة ومطالعة الموضوعات والمؤلفات التي تتحدث عن الحضارة فكرة وفلسفة وتاريخاً. وهذه الفكرة هي التي قادتني لمالك بن نبي, وهو المفكر الذي شغلته قضية الحضارة واستحوذت على كل اهتماماته الفكرية, وجعل منها عنواناً لجميع مؤلفاته التي أطرها بعنوان مشكلات الحضارة.

وحينما تعرفت على كتاب: (من أجل حوار بين الحضارات), لروجيه غارودي, الصادر سنة 1977م, وجدته كتاباً خلاقاً وثرياً ونقدياً, واحتفظت بعلاقة تواصلية معه, بقيت أرجع إليه من وقت لأخر لتعميق النظر بفكرة حوار الحضارات والتواصل معها.

وعندما طرحت مقولة صدام الحضارات على صورة مقالة في 1993م, وعلى صورة كتاب في 1996م, لصمويل هنتنغتون, المقولة التي صدمت العالم وتحولت إلى واحدة من أكثر المقولات نقداً وتداولاً وسجالاً بين ثقافات العالم وهوياته ومجتمعاته. تابعت هذه المقولة وواكبت النقد والسجال الذي تعرضت إليه. وقد أعادت هذه المقولة الاهتمام مجدداً بفكرة حوار الحضارات, وتوقفت هذه المرة متأملاً في هذه المقولة, ومتسائلاً هل أن الحضارات تتحاور؟ وكيف تتحاور؟ وما هي الصورة التي يمكن أن نتخيلها لهذا الحوار؟ أم أن الحضارات تتعاقب وتتوارث وتتعارف؟

مع هذه التساؤلات تأملت من جديد في نظرية غارودي, فوجدت أنه أراد من هذه النظرية أن يخاطب بها الغرب لكي يعالج من خلالها أزمته الداخلية في النطاق الأخلاقي والثقافي والإنساني, فهي تعبر عن خطاب من الغرب وإلى الغرب, وليست خطاباً إنسانياً موجهاً إلى الحضارات الإنسانية, لذلك فهي تصنف على النظريات النقدية للغرب والحضارة الغربية, والمتكوّنة من داخله.

وحينما أعاد السيد محمد خاتمي, التأكيد على طرح فكرة حوار الحضارات في عام 1998م, فقد جاءت من باب رد الفعل لفكرة صدام الحضارات, ولكي يفتح من خلالها حواراً مع الغرب, ويصحح علاقات إيران السياسية مع الخارج, ويظهر أن الإسلام يحمل رسالة الحوار إلى العالم, وهذه الأبعاد لم تأت كتأسيسات معرفية لنظرية حوار الحضارات, لهذا فإن العالم الإسلامي يرفع شعار حوار الحضارات لكنه بدون نظرية في هذا الشأن.

هذه التأملات والمراجعات دفعتني لطرح سؤال هو: هل هناك فكرة إسلامية تؤسس للعلاقة بين الناس كافة, وتنطبق على عالم الحضارات؟

وبعد نظر مستفيض توصلت لفكرة تعارف الحضارات, استنباطاً من آية التعارف هكذا أسميتها في سورة الحجرات, في قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم). فهذه الآية تخاطب الناس كافة بكل تنوعاتهم الدينية والمذهبية, اللغوية واللسانية, العرقية والقومية, التاريخية والجغرافية, وفي كل زمان ومكان, وبعد أن تذكرهم بوحدة الأصل الإنساني (إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى), وبقاعدة التنوع الإنساني (وجعلناكم شعوباً وقبائل), بعد ذلك تؤسس لمفهوم التعارف (لتعارفوا).

فالتعارف هو المفهوم الذي يمكن به مخاطبة الناس كافة, وهكذا على مستوى شعوباً وقبائل, مع ملاحظة أن عبارة (شعوباً وقبائل), لم ترد في القرآن الكريم إلا في هذه الآية فقط, وحينما وردت اتصلت بمفهوم التعارف, الذي يعني أن التعارف ليس على مستوى الأفراد فحسب, وإنما على مستوى الجماعات والمجتمعات الصغيرة والكبيرة, ومنها الحضارات أيضاً. لهذا جاء مفهوم تعارف الحضارات.

ومشروعي تجاه هذه النظرية, كنت بحاجة أولاً لاختبار هذا المفهوم وقياس اتجاهات النظر حوله, ومن ثم إعطاء هذا المفهوم فرصة التداول الفكري والثقافي, وإدماجه في المجال التداولي العام. وقد تجاوز هذا المفهوم مرحلة الاختبار ودخل حيز التداول, وبات يعرف اليوم على أنه يمثل نظرية ثالثة تنتمي للتصور الإسلامي.

 

  •         إلى أي مدى تؤمنون بالاجتهاد كنظرية في الفكر إسلامي؟ وما هي ضوابطه؟

 

من النظريات التي أتبناها وأدافع عنها, نظرية أن الاجتهاد بإمكانه أن يقوم بذات الوظائف النقدية والمعرفية والتجديدية التي تقوم بها نظرية الحداثة في نطاق الفكر الغربي. وهذا يتوقف على طريقة فهمنا وتعاملنا مع مفهوم الاجتهاد, الذي بحاجة إلى إعادة اعتبار, وإلى إحياء جديد, ليكون في المستوى الذي يؤهله لأن ينهض بوظائفه المعرفية المختلفة.

وباستكشاف مكونات هذا المفهوم, وحقله الدلالي, تتأكد لنا قيمته وأهميته, وتميزه فرادته أيضاً, وضرورة الانفتاح عليه والتواصل معه. ومن مكونات هذا المفهوم:

أولاً: إعطاء العقل أقصى درجات الفاعلية, باستفراغ الوسع, وبذل أرفع مستويات الجهد الفكري والعلمي والبحثي في مجالات دراسة الأفكار والمفاهيم والنظريات والأحكام, وبالشكل الذي يفترض أن يحقق قدراً من الاكتشاف والابتكار والتجديد. وهذا ما يدل عليه, وما نستفيده من المعنى اللغوي والاصطلاحي لكلمة الاجتهاد. فالاجتهاد لا يصدق دلالة ومضموناً إلا بعد استكمال شرائط البحث, وإعمال النظر بالطرائق والأدوات المنهجية والمعرفية, وبما يوفر الإحاطة التامة قدر الإمكان, وبما يوفر أيضاَ الاطمئنان النفسي والعلمي والمنهجي.

ثانياً: التحريض المستمر والدؤوب على البحث العلمي والمعرفي, فالاجتهاد هو دعوة لمضاعفة الجهد العلمي بلا انقطاع أو توقف, وإنما بتواصل وتراكم. وهو صياغة ذهنية يفترض أن يتولد منها فعل الاجتهاد بصورة مستدامة, لا تتهاون في تحصيل العلم والمعرفة.

ثالثاً: مقاومة عناصر الجمود والتفكير السطحي والنظر القشري والاعوجاج والشلل الفكري, وهذه الحالات هي من أشد ما يناقض ويعارض مفهوم الاجتهاد, وما ظهرت هذه الحالات وتفشت إلا في زمن التراجع الحضاري الذي أصاب حركة الاجتهاد بالجمود والانغلاق والتوقف نسبياً.

من جهة أخرى فإن الاجتهاد يفترض تعاملاً مع النص, يتصف بشدة الفحص وتعمق النظر, وبصورة دائمة ومستمرة, مما يجعل النص مفتوحاً للمعنى في كل زمان ومكان وحال, وبشكل يتعارض مع احتكار الفهم على طبقة أو جيل من الناس, أو أن يتحدد الفهم في زمان أو مكان ما, فليس في الإسلام كهنوتية أو أرثوذوكسية, تفرض فهماً أو معرفة جامدة أو نمطية أو أحادية.

رابعاً: مواكبة تجددات الحياة, ومتغيرات العصر, وتحولات الزمن, ومقتضيات التقدم, وشرائط المستقبل, فالاجتهاد مجالاته القضايا والموضوعات الجديدة والمعاصرة, ولا معنى للاجتهاد في نظر بعض الفقهاء المعاصرين بالانشغال بالقضايا والموضوعات التي ترتبط بالماضي, أو التي أشبعها السلف بحثاً ونظراً, أو التي استقر عليها رأي السلف. ذلك لأن الاجتهاد هو منهج الإسلام العلمي في تطبيق الأصول على الفروع, وإرجاع الفروع إلى الأصول, من خلال علاقة منهجية منضبطة ومتوازنة من جهة المنهج, وفي علاقة دائمة ومتحركة من جهة الواقع.

لا شك أن هذه الدلالات تعطي قيمة متعاظمة لمفهوم الاجتهاد, تؤكد الحاجة إليه في هذا العصر, فالاجتهاد هو ثورة في التفكير, ودعوة للتقدم.

أما الضوابط, فهي ما تسالم عليه أهل العلم, من الرجوع إلى النص وعدم الخروج عليه, واعتماد المنهج الإسلامي والقواعد الإسلامية, والاستفادة من مصادر المعرفة العقلية والحسية والتجريبية, ومن الخبرة الإنسانية والتراث الإنساني.

 

  •         هل يمكن الدمج بين التأصيل والحداثة؟ ولماذا؟

 

المفارقة أو المعانقة بين التأصيل والحداثة, تتوقف على طبيعة فهمنا وتحليلنا لهذين المفهومين, ومنطقنا في التفكير نحوهما. فهل هما مفهومان يتعارضان ويتصادمان؟ أم يمكن لهما أن يتضايفان ويتجاوران؟ أم أنهما يتوافقان ويتعانقان؟ وعلى قاعدة العلاقة في النظر بين الكلي والجزئي, المطلق والنسبي, الثابت والمتغير.

فما هو فهمنا لمفهوم التأصيل؟ وما هي طبيعة مجاله الذي يتحدد ويرتبط به؟

التأصيل يراد به الاستناد على أصل واضح ومتماسك, وهذا الأصل إما أن يكون على صورة دليل أو على صورة قاعدة. والدليل إما أن يكون من الشرع كتاباً وسنة, أو من العقل, أو من الإجماع. والقاعدة إما أن تكون من الفقه فتكون قاعدة فقهية, أو من أصول الفقه فتكون قاعدة أصولية, أو من العقيدة والكلام فتكون قاعدة كلامية, أو من اللغة فتكون قاعدة لغوية, أو من العرف فتكون قاعدة عرفية.

وبهذا المعنى أن التأصيل هو منهج أو طريقة في النظر تستند على أصل واضح وثابت, ويراد منه إثبات أن المعارف الإسلامية قادرة على مواكبة حركة الزمن, وتجدد الحياة, وتطور العصر, وتقدم المدنية. ويتحدد مجاله بالقضايا والمفاهيم والمقولات الحديثة والمعاصرة والمتجددة, وقاعدته هي المعارف والعلوم والخبرات الإسلامية.

أما الحداثة, هذا المفهوم بحاجة إلى تحرير لرفع الالتباس, ولضبط وتحديد المعنى والدلالة. فتارة يكون النظر لهذا المفهوم بالمعنى الخاص أو بالمعنى العام, وتارة يكون النظر له بالمعنى الفلسفي أو بالمعنى الإجرائي.

والمقصود بالمعنى الخاص, هو المعنى الذي يحيل هذا المفهوم إلى الفضاء الفكري والأخلاقي الأوروبي, والانتساب إلى التاريخ الأوروبي, أي باعتباره مفهوماً أوروبياً من حيث المعنى والدلالة, ومن حيث النشأة والتكوين.

والمقصود بالمعنى العام هو تجريد هذا المفهوم من إطاره وانتسابه الأوروبي, وإعطائه معنى عاماً ومتعدداً بحيث يكون بإمكان كل أمة أن تستقل بمعنى خاص بها.

أما المقصود بالمعنى الفلسفي, فهو ربط مفهوم الحداثة بالفلسفة الأوروبية, والمقصود بالمعنى الإجرائي هو تجريد المفهوم من ذلك الارتباط بالفلسفة الأوروبية, ليكون معنى إجرائياً يتصل بالعلاقة بالزمن والعصر, وتجدد الحياة, وبناء المدنية, وصنع التقدم. أي بناء القدرة على مواكبة الزمن والعصر, وتجدد الحياة, والقدرة على بناء المدنية, وصنع التقدم. وتتحدد هذه القدرة في بعدين: البعد الذي يتصل بالمعرفة, والبعد الذي يتصل بالواقع أو بالزمن.

والبعد الذي يتصل بالمعرفة, فإن الحداثة أو المعاصرة تعني اكتساب معارف العصر, والتمكن منها, وهذه المعارف لها ثلاث مجالات:

1ـ المعارف التي تتصل بالعلم, وتدخل في دائرة العلوم التجريبية, كالعلوم الطبيعية والتطبيقية والتقنية.

2ـ المعارف التي تتصل بالإنسان والمجتمع, وتدخل في دائرة العلوم الاجتماعية والإنسانية.

3ـ المعارف التي تتصل بالمنهجيات, وتدخل في دائرة علوم النقد والنص والعلوم الاجتماعية والإنسانية.

والبعد الذي يتصل بالواقع, له علاقة بتكوين المعرفة بالعالم الذي نحن جزء منه, وبالعصر الذي نعيش حركته, وأن نعرف زماننا, وفي أي مرحلة تاريخية نحن نعيش.

وبهذه المنهجية يمكن القول إننا بحاجة إلى التأصيل لكي نحافظ على ديننا وهويتنا وأخلاقنا وثوابتنا في كل عصر وزمان, وبحاجة إلى الحداثة لكي نواكب الزمن, ونتواصل مع العالم, ونفهم منطق العصر, ونجاري تطور العلم. فنحن بحاجة إلى بناء حداثة مستقلة بنا تنطلق من فهم الحداثة الأوروبية ونقدها, وتعبر عن رؤيتنا للتقدم الذي نريده, وللمدنية التي نتطلع إليها.

 

  •         ما هي مشكلة المثقف اليوم؟ وكيف يواجه هذه المشكلة, ويتعامل معها؟

 

تتعدد مشكلة المثقف اليوم, بتعدد المجالات التي ترتبط بأدواره ووظائفه الأساسية, والتي تتحدد في ثلاثة مجالات, في علاقته بالمعرفة, وفي علاقته بالمجتمع, وفي علاقته بالسلطة.

في علاقته بالمعرفة, تتحدد مشكلته في أبعاد مختلفة, منها ضعف مساهمته في إنتاج المعرفة, وفي تبعيته للمعرفة الأوروبية, واتخاذه المثقف الأوروبي نموذجاً له, وفي الانقطاع عن تكوين المعرفة بالدين والمعارف الإسلامية.

أما علاقته بالمجتمع, فتتحدد مشكلته تارة في عدم القدرة على التواصل الفاعل مع المجتمع بكافة مكوناته, أو في عدم الانخراط في مجالات الشأن العام والخدمة الاجتماعية, أو في الاصطدام مع هوية المجتمع.

أما علاقته بالسلطة, فتتحدد مشكلته في أنه يفتقد إلى الشجاعة في قول كلمة الحق.

والمثقف بصير بهذه المشكلة وأبعادها, وقادر على أن يتخلص من هذه المشكلة في مجالاتها الثلاث, إذا امتلك الإرادة, وسعى سعيه لمعالجتها.

 

  •        إلى ماذا اعتمدتم في رؤيتكم لتجديد الخطاب الديني في التعامل مع قضايا المرأة؟

 

لقد اعتمدت في هذه الرؤية على عنصرين مترابطين. العنصر الأول ويتصل بالمعرفة الدينية, والعنصر الثاني ويتصل بالواقع المتغير للمرأة.

حول العنصر الأول: تساءلت هل توقف التجديد الديني في قضايا المرأة, ووصلنا إلى حالة من الانسداد ولم يعد أمامنا إلا تكرار ما لدينا, وتقليده وإتباعه وتقديسه. أمام هذا السؤال وجدت أن هناك محاولات جادة اجتهدت في سبيل التجديد الديني في قضايا المرأة, وتنتمي هذه المحاولات إلى ثلاثة مجالات مهمة:

أولاً: محاولة تنتمي إلى مجال الحديث, وهي محاولة الأستاذ عبد الحليم أبو شقة في كتابه الشهير: (تحرير المرأة في عصر الرسالة), والذي حاول فيه أن يظهر صورة المرأة المسلمة, كما تحدثت عنها الروايات والأحاديث النبوية الشريفة. وقد اندهش المؤلف كما يقول عن نفسه, حين تعرف على تلك الصور اللامعة والمغايرة, لما هو عليه واقع المرأة الراهن.

ثانياً: محاولة تنتمي إلى مجال الفقه, وهي محاولة الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه الشهير: (مسائل حرجة في فقه المرأة), الذي دعا فيه الفقهاء إلى إعادة النظر والبحث في بعض المسلمات الفقهية, بإعادة النظر والبحث في أدلتها, وفي طرائق الاستدلال, وعدم الاسترسال في الاتكال على فهم فقهائنا القدماء لهذه الأدلة, وخاصة فيما يعود إلى دعاوى الإجماع, حيث يرى أنه ينبغي تقصيها لمعرفة حقيقتها.

ثالثاً: محاولة تنتمي إلى مجال النقد الديني, وهي محاولة الشيخ محمد الغزالي في كتابه: (قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة), والذي يعد واحداً من أهم المؤلفات النقدية في المجال الديني حول قضايا المرأة.

أما حول العنصر الثاني: والذي يتصل بواقع المرأة المعاصر, فلا شك أن واقع المرأة اليوم أصبح مختلفاً كلياً عما كان عليه قبل ذلك. وقد أصبحت المرأة اليوم أكثر وعياً بذاتها وبنظرتها لمستقبلها, وبدأت تبحث لنفسها عن فرص التقدم في المجالات العامة, ولم تعد تقنع بالأدوار التقليدية والضيقة والمحدودة, أو بتلك الوصاية الشديدة والشاملة عليها من الرجل, فهي اليوم أكثر تعليماً وتدريباً وخبرة وثقافة.

وقد تقلصت تلك المسافات المتباعدة التي كانت تفصل تقدم الرجل وتميزه عن المرأة, أو حين كان يحتكر لنفسه فرص التقدم ويحجبها عن المرأة. كما أنها باتت أكثر وعياً وإدراكاً لمفاهيم الحرية والعدالة والمساواة, وهي المفاهيم التي تجعلها تصطدم بتقاليد اجتماعية, وتدفعها لنقد موروثات قديمة, وصعوبة الانسجام مع بيئات لا تقدر لها طموحاتها, أو تعترف لها بكفاءاتها.

ولكي يكون التفكير الديني مقنعاً للمرأة عليه أن يتفهم طموحاتها, ونظرتها إلى ذاتها ومستقبلها, ويكون ضامناً لهذا المستقبل, ومستجيباً لتطلعاتها, وكافلاً لحقوقها, وباعثاً على تقدمها في ميادين العلم والعمل. فحماية المرأة ليس بالجهل أو المعرفة المحدودة, وليس بالتضييق عليها وتحجيم طموحاتها, وإغلاق فرص التقدم أمامها, وإنما حماية المرأة بالعلم إلى أعلى مستوياته, وربط كرامة المرأة بالعفة إلى جانب الحقوق الشرعية والمدنية والدستورية.

 

  •   الحوار الوطني في المملكة العربية السعودية في دورته الرابعة كان حول الشباب, كيف يمكن للشباب أن يستوعب المرحلة؟ وكيف يمكن أن يعي ضرورة الحوار المتحضر؟

 

لا شك في أهمية وحيوية موضوع الشباب, الذي تحول إلى موضوع يحض باهتمام عالمي, وأصبحت جميع الأمم تلتفت إليه, وتعيد النظر فيه باهتمام جديد. فالأمم تنظر إلى مستقبلها من خلال نظرتها إلى شبابها, لأن التفكير في موضوع الشباب هو تفكير في المستقبل.

وقد وصل العالم إلى مرحلة بات يتمثل فيه أكبر جيل من الشبان في تاريخ البشرية, وأكبر نسبة من هؤلاء الشباب أصبحت موجودة في البلاد العربية والإسلامية. من هنا ندرك أن العالم أخذ يتغير في تركيبته السكانية, وفي طبيعته الديمغرافية, وأصبحنا نعيش في بيئة عالمية شبابية.

ويصدق هذا الحال على واقعنا في المملكة, حيث نعيش في بيئة اجتماعية وسكانية شبابية, الأمر الذي يفترض فيه أن يعاد صياغة اولويات مشاريع التنمية, وبرامج التخطيط, ونظم الإدارة, واستشرافات المستقبل.

وقبل أن نتساءل عن كيف يستوعب الشباب طبيعة المرحلة, لابد أن نتساءل عن برامج تأهيل الشباب, ابتداء من التنشئة الاجتماعية, والى برامج التعليم, وبالذات التعليم في مرحلته الثانوية والجامعية, وصولا إلى مرحلة ما بعد الجامعة, وتأمين فرص العمل التي تتناسب وطبيعة التخصص. وبقدر ما نبعث الثقة والأمل بالمستقبل في نفوس الشباب, بقدر ما ندفع الشباب نحو الاعتدال والتفاؤل في نظرتهم لطبيعة المرحلة التي يمرون بها, وفي نظرتهم إلى الحياة بصورة عامة, والحوار المتحضر بحاجة إلى الالتزام بآداب وأخلاقيات الحوار.

وفي نطاق هذا الموضوع, كنت قد دعيت في سنة 2003م, إلى الحاجة لتكوين ما أسميته بعلم اجتماع الشباب, فقد وجدت أن هناك موجبات ومقتضيات حقيقية وموضوعية, تؤكد الحاجة لتأسيس مثل هذا الحقل المعرفي, وذلك من اجل أن يكون التعامل مع موضوع الشباب, تعاملاً يستند على خبرة ومنهجية, وعلى طرائق علمية في البحث والتحليل والنقد والتوصيف والاستشراف.

 

  •        هل يمكن أن يكون لتعدد مصادر الفتوى وتناقضاتها, دور في تأجيج الخلاف بدلاً من دورها في توحيد الصف؟

 

ابتداء يمكن تقسيم موضوعات الفتوى إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

القسم الأول: وهي الفتوى التي ترتبط بموضوعات الفرد في حياته اليومية والتفصيلية.

القسم الثاني: وهي الفتوى التي ترتبط بموضوعات الأمة في قضاياها العامة.

القسم الثالث: وهي الفتوى التي ترتبط بموضوعات النوازل الحرجة والخطيرة, وحالات الطوارئ.

القسم الأول, لا تأثير للفتوى فيه في تأجيج الخلاف, أو في توحيد الصف, وبالتالي فهو خارج موضوعاً, عن موضوع السؤال.

القسم الثاني, هو الذي يرتبط بموضوع السؤال, وفي هذا الشأن ينبغي أن تكون وحدة الأمة, وتوحيد الصف, معياراً ثابتاً في نظام الفتوى, باعتبار أن وحدة الأمة هي مصلحة عليا, وبالتالي لابد من مراجعة كل الفتاوى التي تؤثر على وحدة الأمة, أو على سلوكها العام الذي يتصل ويؤثر على وحدة الأمة. ومن الفتاوى التي تؤثر على السلوك العام للأمة, الاختلاف والتناقض المستمر في مسألة تثبيت رؤية الهلال في العيدين, ومن الفتاوى التي تؤثر على وحدة الأمة كذلك, تلك الفتاوى التي تكرس الخصومات بين المسلمين وبين المذاهب الإسلامية.

أما القسم الثالث, فلا ينبغي أن يكون فيه التناقض على الإطلاق, وضرورة التشدد فيه على توحيد الصف, ووحدة الموقف, وذلك في حالات النوازل الخطيرة, وحالات الطوارئ, كحالات الحرب, أو في ظروف المحن والشدائد مثل حصول لا سمح الله المجاعة الواسعة, أو انتشار مرض فتاك, أو عند حصول الكوارث الطبيعية وغيرها.

 

  •         شاركتم في تأسيس المنتدى العربي للحوار والمواطنة, فما هي أهداف هذا المنتدى؟ ولماذا الآن؟

 

المنتدى العربي للحوار والمواطنة, هو جمعية أهلية غير سياسية, لا تتوخى الربح, ويتخذ من بيروت مركزاً رئيسياً له. ويهدف إلى تدعيم المجتمع الأهلي المدني في العالم العربي, عبر إرساء قيم الحرية والعدالة والكرامة والمساواة وتأصيلها في الثقافة العربية والإسلامية, ونشر ثقافة الحوار والتعايش بين أبناء الوطن الواحد على اختلاف انتماءاتهم الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية, وذلك على أساس احترام التعددية وحقوق المواطنة, وتعزيز فرص وإمكانات الحوار بين المجتمعات العربية نفسها, وتطوير وتفعيل المؤسسات الأهلية والمدنية ومد الجسور بينها, ونبذ العنف والتطرف عبر تعزيز ثقافة التسامح, والعمل على تحويلها إلى منطلق للحوار والسلوك داخل المجتمعات العربية, ومع العالم.

ولماذا الآن؟

الآن لأن هناك مخاوف ومخاطر حقيقية باتت محدقة بمجتمعاتنا العربية والإسلامية, لا ينبغي التعامل معها بمنطق الصمت أو اللامبالاة أو التساهل, كخطر الانقسام والاحتراب الداخلي, وخطر التصدع ونشوب الحروب الأهلية, وتفشي ظاهرة العنف, وارتفاع وتيرة التطرف, حيث أصبحنا مهددين في أوطاننا. وفي هذا السياق جاء تأسيس المنتدى العربي للحوار والمواطنة كإسهام ثقافي أهلي في حماية هذه الأوطان, وترسيخ قيم الكرامة والعدالة والحرية, ونشر ثقافة الحوار والتسامح.

 

 
 
 
عدد الزوار : 38644